يجسد مسلسل “الست موناليزا” هوس دراما العنف ضد المرأة خير تجسيد؛ ذلك النوع من المسلسلات الذي يستحوذ على مشاعر المشاهدين بقوة، خاصة أن العديد من الأعمال الدرامية في السنوات الأخيرة لجأت إلى تصوير معاناة النساء عبر أشكال متعددة من العنف: الجسدي، والجنسي، والاقتصادي.
وفي هذا السياق، يندرج المسلسل ضمن تلك الأعمال التي تسعى إلى كشف أبعاد القهر الذي قد تتعرض له المرأة داخل العلاقات الأسرية والاجتماعية، عبر سرد درامي يعتمد على التوتر النفسي وتراكم المآسي.
ورغم أن تقنية الـ”فلاش باك” كثيراً ما تحظى بسمعة سيئة في الدراما، بحجة أنها قد تُضعف التسلسل السردي أو تُربك البناء الدرامي، فإن مسلسل “الست موناليزا” استخدمها بطريقة وظيفية تخدم الأحداث، فجاءت مشاهد الماضي لتغذي الحلقات بمعلومات أساسية تجيب عن أسئلة ملحة، وتكشف في الوقت ذاته عن تفاصيل خفية في تاريخ الشخصيات.
من خلال الغوص في ماضي أبطاله، استطاع المسلسل أن يقدم خلفيات درامية تفسر سلوكيات الشخصيات طوال الأحداث، وأن يمنح المشاهد مفاتيح لفهم دوافعهم الحقيقية وصراعاتهم الداخلية، كما أثارت هذه التقنية تساؤلات عديدة حول الدوافع الخفية للشخصيات، والصراعات المؤجلة التي يدرك المشاهد أنها ستؤتي ثمارها لاحقاً في تطور الحبكة.
يقدم مسلسل “الست موناليزا” دراما تعتمد على عناصر مألوفة في هذا النوع من الأعمال؛ إذ تقوم على فكرة المرأة المغلوبة على أمرها، التي تجد نفسها في مواجهة مؤامرة معقدة، وفساد يحيط بها من كل جانب، وشبكة من الاستغلال يصعب الإفلات منها.
إنها حكاية المرأة المكسورة التي تتذوق مرارة نتائج استسلامها للواقع، عندما تقبل به دون مقاومة، وغالباً ما يظهر في مثل هذه الحكايات شخص نزيه في عالم يغلب عليه الشر، وفي مسلسل “الست موناليزا” يتمثل هذا النموذج في شقيق الزوج، إضافة إلى الجارة التي تقطن الشقة المجاورة لمنزل زوجها.
عواقب وخيمة
المسلسل مليء بالكليشيهات التقليدية للحبكة في هذا النوع من الدراما، إلى درجة يصعب معها أحياناً التمييز بين هذه العناصر المتكررة، ومع ذلك، يظل من المثير متابعة هذا المزيج بين دراما المفاجأة وحالة الاستسلام للواقع.
فالشخصية الرئيسية، موناليزا، تظل لفترة طويلة تصدق زوجها حسن رغم سلسلة العواقب الوخيمة التي تتعرض لها. وبينما قد يبدو هذا التصديق المفرط غير منطقي، فإن الواقع مليء بنماذج مشابهة لنساء وقعن ضحية علاقات مؤذية.
وفي كثير من الأحيان يبدو الواقع أكثر غرابة من الخيال نفسه؛ إذ تكون هواجس الخيال واضحة للعيان، لكنها في الوقت ذاته تتناقض مع العالم الذي يحاول المسلسل تصويره.
يمتلئ المسلسل بعادات العلاقات السامة، ومن أبرزها ما يمكن وصفه بـ الحب الرومانسي الوهمي؛ ذلك النوع من الحب المرتبك وغير المنطقي الذي جمع بين موناليزا وحسن.
وتتفاقم المأساة عندما تقع موناليزا في براثن عفاف، التي تتآمر مع حسن ووالدته سميحة. إذ يتم تزويجها من زوج عفاف على أنه شقيقها، قبل أن تُصوَّر في فيديو أثناء العلاقة الزوجية، ثم يجري التشهير بها عبر نشر الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي.
هذه العلاقات السامة نشأت عندما منحت موناليزا الحب أولوية على حساب الركائز الأساسية الثلاث لأي علاقة صحية: الصدق، والثقة، والأمان.
فلو أن اكتشافها كذب حسن بشأن وضعهما الاجتماعي كان دافعاً لإنهاء العلاقة منذ البداية، ربما تغير مسار الأحداث بالكامل. لكن عندما يُفضَّل الحب الذي تمنحه العلاقة على الصدق الذي يؤسس لها، يصبح الاستغلال أمراً متوقعاً.
وإذا اختار الشخص الاستمرار في الكذبة والمشاركة فيها بدلاً من بناء الثقة، فإنه يصبح أكثر تقبلاً للخيانة والكذب. أما إذا رضي بالاستمرار في علاقة تفتقر إلى الأمان بدافع الحفاظ على المودة، فغالباً ما ينتهي به الأمر إلى علاقة باردة وجافة.
وافقت موناليزا على هذه العلاقات المؤذية مع أسرة حسن لأسباب متعددة؛ ربما بسبب خوفها من الفشل، أو نقص وعيها بما يحدث حولها، أو عدم قدرتها على السيطرة على مسار حياتها. لكن النتيجة في النهاية كانت واحدة: علاقة مريضة وغير صحية نفسياً دفعت ثمنها باستمرارها فيها.
أوقات عصيبة
يركز مسلسل “الست موناليزا” كذلك على ظاهرة الترابط الناتج عن الصدمة؛ وهي الحالة التي قد تدفع الإنسان إلى التمسك بعلاقة مؤذية بسبب الضغوط النفسية العنيفة.
فعندما تصبح الأوقات العصيبة شديدة القسوة، قد يجد الإنسان نفسه مضطراً إلى الرضوخ للواقع بكل مساوئه.
تشعر موناليزا بالذنب، وهو الشعور الذي يمنعها من طلب الدعم من أسرتها، وفي الوقت نفسه يغلق حسن كل الأبواب أمامها، حتى لا تتمكن من الهروب، بينما يمارس عليها أشكالاً متعددة من الإيذاء.
وفي هذا السياق، يتعرض عقل موناليزا لتلاعب نفسي متواصل، بدءاً من الأم التي تجسدها سوسن بدر، وصولاً إلى رفيقة السجن عفاف التي تؤدي دورها وفاء عامر. ومع استمرار هذه الضغوط، تصبح موناليزا عالقة في سلسلة متواصلة من العلاقات المسيئة.
ومن هنا يبدو سؤال مثل: “لماذا لم تتركهم ببساطة؟” سؤالاً يتجاهل جوهر المشكلة؛ لأن القضية الحقيقية لا تتعلق بقرار المغادرة فحسب، بل بفهم طبيعة الإساءة وآلياتها النفسية.
إدراك متأخر
تكشف الحلقات الأولى أن موناليزا كانت تجد صعوبة في إدراك أنها تعيش داخل علاقة سامة. ومع مرور الوقت تبدأ الحقيقة في الظهور تدريجياً، لكن بعد فوات الأوان.
وعندما تصبح الصورة واضحة تماماً، يبدأ الشك يتسلل إلى نفسها. لم تكن موناليزا تدرك حقيقة ما يحدث لها، قبل أن تتسارع الأحداث بشكل كبير.
تحظى شخصية موناليزا، التي تقدمها مي عمر، بلحظات درامية محورية واهتمام واضح داخل المسلسل، فهي شخصية محبوبة لدى الجمهور، لكنها تفشل في التعامل مع المشاعر الجياشة التي تواجهها بعد اكتشاف حقيقة حسن وعائلته، ثم لاحقاً بعد دخول عفاف وأخيها في حياتها.
ومع تقدم الأحداث، يصل المسلسل إلى ما يشبه المونولوج التفسيري الذي يكشف آليات استغلال الشخصيات السامة لها، وعند هذه اللحظة تبدو موناليزا وكأنها على وشك الاستسلام الكامل لقدرها.
الجاني الوسيم
يجسد أحمد مجدي نموذج “الجاني الوسيم”؛ وهو نمط درامي مألوف يعتمد على شخصية تبدو جذابة ظاهرياً لكنها تحمل في داخلها قدراً كبيراً من القسوة.
اختيار الممثل لتجسيد شخصية شريرة بملامح طفل مدلل ومتذمر وعنيف جعل الشخصية لا تُنسى، فهي عنصر أساسي في البناء الدرامي، ليس لأنها محور القصة فحسب، بل لأنها المحرك الرئيسي لتطور شخصية البطلة.
ويطرح المسلسل سؤالاً ضمنياً: هل كانت موناليزا وعفاف ستتقاربان إلى هذا الحد لو لم تستغل عفاف رغبة موناليزا في الانتقام من ذلك الرجل الذي دمر حياتها؟
تمهيد الصدمة
عندما تظهر شخصية عفاف يقدمها السيناريو كبطلة ثانوية. هذا التقديم لا يخلو من دلالة؛ إذ يبدو وكأنه تمهيد لمفاجأة درامية لاحقة.
فالمشاهد يعيش مع البطلة تجربة الوقوع في الحب والزواج من جديد، وتجاوز أزماتها السابقة. كما تسهم هذه المقارنة في تحسين صورة الزوج الجديد، لأن وجود شخصية مثل حسن في الخلفية يجعل دعم الزوج الجديد يبدو أكثر إشراقاً، هذا النمط السردي يمثل محفزاً فعالاً لعنصر الصدمة داخل الحبكة.
يمكن القول إن حسن أكثر تعقيداً من مجرد شخصية شريرة تقليدية. فهو رجل واثق إلى حد الغرور من قدرته على التأثير في موناليزا، إلى درجة أنه لا يعتقد أن أفعاله قد أنهت فرصه معها.
بل إنه يعيد ترتيب أساليبه المؤذية مرة أخرى ليحاول الإضرار بها من جديد.
شخصية حسن تثير كراهية شديدة لدى المشاهدين، لكنها في الوقت ذاته شخصية تمتلك دافعاً واضحاً لما تفعله. فهو يؤمن بصواب أفعاله، أو على الأقل بضرورتها، ويستعد لفعل أي شيء لتحقيق أهدافه.
كما أنه شخصية ذكية وماكرة، تعرف كيف تستخدم قدرتها على الإقناع للسيطرة على الآخرين.
أداء تمثيلي لافت
تقدم سوسن بدر نموذجاً دقيقاً لما يمكن تسميته بـ “ممثلة الشخصيات”. فقد استطاعت من خلال أدائها لشخصية الأم الشريرة أن تقدم أداءً شديد التلوين، يتغير بحسب المواقف المختلفة.
إنها واحدة من أكثر الممثلات موهبة وإثارة للدهشة، ممن يصعب حصرهم في قالب واحد، والذين ينجحون دائماً في إدهاش المشاهد وإمتاعه في الوقت نفسه.
أما وفاء عامر فتقدم أداءً يعتمد كثيراً على تعبيرات الوجه. ففي بعض اللحظات تبدو هذه التعبيرات مجرد انعكاس تلقائي، لكنها في لحظات أخرى تصبح قوية ومؤثرة إلى درجة يصعب مقاومتها، صوتها الأجش المميز يمنح الشخصية طابعاً مفعماً بالمكر والخبث.
إطالة درامية
يضم المسلسل عدداً من اللحظات المؤثرة التي تعتمد على إثارة التعاطف مع البطلة، كما يحتوي على مشاهد تمس المشاعر بصدق، خاصة عندما يتورط المشاهد عاطفياً مع تلك العائلة الملعونة.
لكن من الواضح أيضاً أن كاتب السيناريو لجأ في بعض الأحيان إلى إطالة الأحداث، خصوصاً في الخط الدرامي المتعلق بالعلاقة بين الأختين. إذ كان من الممكن اختصار هذه المشاهد بشكل أكثر إحكاماً.
بدلاً من ذلك، نشاهد لحظات متكررة لا تقود إلى نتيجة درامية واضحة، ما يجعلها تبدو مملة في بعض الأحيان.
على الرغم من أن بعض الشخصيات تحظى بمساحة أقل من غيرها، فإن شخصية علياء التي تقدمها أنجي المقدم تبدو رمزاً لانحلال الأسرة داخل العمل.
غير أن الشخصية تظهر في كثير من الأحيان وكأنها تائهة داخل الأحداث، رغم أن الحلقات الأولى مهدت لدورها بشكل واضح.
وقد جرى استخدامها ضمن مخططات الشخصيات الشريرة، قبل أن يطلق السيناريو لها العنان لتكشف عن قوة تشبه قوة الأم الشريرة. ورغم أن الحوار الممنوح لها يبدو أحياناً ركيكاً، فإن الشخصية تنجح في إيصال الفكرة الدرامية المطلوبة، وكان مقتل علياء لحظة مليئة بالتحولات الدرامية الكبيرة.
في المجمل، يقدم المسلسل مجموعة من الشخصيات التي تسير جميعها في مسارات تصادمية، تتشابك مع بعضها البعض بطريقة أو بأخرى.
ومع تقدم الأحداث يشعر المشاهد تدريجياً بأن موناليزا كانت تُستغل طوال هذه المدة، حتى وإن لم تدرك هي ذلك بوضوح في البداية.
في النهاية، يسير مسلسل “الست موناليزا” بوتيرة درامية متوقعة إلى حد كبير. وربما لا يقدم هذا الإيقاع جديداً على مستوى البناء الدرامي، لكنه يظل قادراً على توفير قدر كافٍ من الإثارة، عبر قصة تظل قادرة على جذب المشاهد ومتابعته حتى النهاية.
* ناقدة فنية

تعليقات