من أفضل مفاجآت الموسم الدرامي الرمضاني الحالي مسلسل “صحاب الأرض” الذي جاء، على عكس التوقعات، لمثل هذا النوع من الدراما، عملاً فنياً بليغاً، متكامل العناصر، ومؤثراً، والأهم، خالياً من النبرة الدعائية الزاعقة التي عادة ما تتسم بها الأعمال “الوطنية” المماثلة.
وعلى العكس غلب على العمل الحس الإنساني والحرفية الدرامية واللغة البصرية المبهرة، بجانب تميز التمثيل والمونتاج والموسيقى وتصميم المناظر والديكورات والمؤثرات الخاصة.
من الناحية الفنية تميز “صحاب الأرض” بمستوى رفيع قلما تصل إليه الدراما العربية، وربما ظلمه فقط القوالب الرمضانية الجاهزة التي تحتم أن يكون العمل في 15 أو 30 حلقة.. بينما مساحة المادة المكتوبة كان يمكن صياغتها في 8 أو 10 حلقات قوية، وهي على أي حال مشكلة تعاني منها معظم المسلسلات.
منذ اللحظة الأولى التي ولدت فيها فكرة “صحاب الأرض” ولدت معها تحديات كثيرة كان على كل من شارك في هذا العمل أن يخوضها، أكبر هذه التحديات هو أن ما حدث ويحدث في غزة يفوق خيال واستيعاب أي مسلسل أو فيلم مهما كان، ويزيد الأمر صعوبة أن المأساة حاضرة في ذهن وقلب معظم المشاهدين الذين تابعوا على مدار أكثر من عامين يوميات مجازر وإبادة عرقية يومية، وبالتالي لا يكاد يوجد أي مسافة للخيالي والروائي في ظل الوجود الثقيل جداً للواقعي والوثائقي.
بجانب تحديات الموضوع، تضاف تحديات كيفية التعبير عنه فنياً، الكل يتذكر مسلسل “مليحة” الذي عرض منذ عامين وكان ضعيفاً فنياً بشكل مخزٍ يمكن أن يؤثر سلبيياً على عزيمة أي شخص يقبل على صنع عمل مماثل.
ولكن من حسن الحظ ان المخرج بيتر ميمي لا يهاب التحديات، ومن يتتبع مسيرته يمكن أن يلاحظ أنه يذهب إليها بقدميه، أحياناً ينجح وأحياناً يفشل، ولكن يحسب له شجاعته وطموحه، وهما، بجانب موهبته، مكنوه من صنع أعمال مميزة، مثل ثلاثية “الاختيار” و”الحشاشين” وأفلام “حرب كرموز” و”من أجل زيكو”، بالرغم من أنه صنع أيضاً أعمالاً أخرى متواضعة، ولعل مشكلة بيتر ميمي هي أنه يعمل أكثر من اللازم، وفوق ذلك يعتبر نفسه مؤلفاً جيداً، وغالباً ما تفشل الأعمال التي يقوم بكتابتها!
بيتر ميمي حين يعهد إليه بإخراج عمل مكتوب جيداً، في نوع فني يتطلب قدراً كبيراً من الجهد والإبداع، وموضوع حقيقي ومهم، يشحذ كل إمكانياته كمخرج ويتصدى للتحدي. وهذا هو ما يفعله في “صحاب الأرض”.
ينتمي “صحاب الأرض” إلى نوع راج في الدراما المصرية خلال السنوات الماضية، يمزج بين الدراما الاجتماعية والخلفية السياسية، ويعتمد على وقائع حقيقية أو شبه الحقيقية، ويشتبك مع صراع سياسي دائر يتخذ منه موقفاً واضحاً، يهدف عادة إلى توعية أو توجيه المشاهد أو على الأقل كسب تأييده تجاه قضية بعينها، والقضية هنا، ما يحدث في غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، لا شك في أهميتها وسخونتها، ولكن السؤال كيف يمكن اختزال كل هذه المعاناة والدمار والموت في عمل درامي واحد؟
الإجابة كما صاغها صناع العمل، المؤلفان عمار صبري ومحمد هشام عبية، هي التركيز على قصة واحدة تتمثل في رصد تجربة طبيبة مصرية تذهب إلى غزة لبضعة أسابيع حتى عودتها، وهي رحلة بطل نموذجية، يلتقي خلالها العالم الخارجي والداخلي للشخصية (والمشاهد) وصولاً إلى الوعي والقدرة على تجاوز المأساة، والمضي قدماً.
هذا النوع مشكلته الوقوع أحياناً في فخ الخطابة المباشرة، ولكن “صحاب الأرض” ينجح في تلافي هذه الإشكالية عن طريق رسم شخصيات قوية، ليست رموزاً جامدة، بقدر ما هي نماذج بشرية من لحم ودم، عادية، تتكلم كالناس العاديين، تتألم من معاناة تفوق احتمال البشر، تتصارع بين الخوف والواجب، بين الرغبة في الأمان والتمسك بالحق. ومن خلال هذا الصراع، ينسج العمل رؤيته حول معنى أن تكون “صاحب أرض” لا بالمعنى الجغرافي فحسب، بل بالمعنى الأخلاقي والوجودي.
إن الطبيبة سلمى (منة شلبي) لا تكاد تنطق طوال حلقات المسلسل سوى بعبارات معدودة، معظمها كطبيبة تؤدي مهنتها، وأحياناً عن نفسها وتجربة الفقد الشخصية التي تعرضت لها من موت ولدها الوحيد. ونادراً ما تعلق على ما يحدث حولها، ولكن تكتفي بالتعبير بصمتها وعيونها عن الخوف أو التعاطف أو الغضب.
من خلال تجربة سلمى نتعرف على بعض زملاءها ومرضاها داخل المستشفى الذي تذهب إليه، وعلى طريق الرحلة يموت معظم من تلتقي بهم سلمى ولكن يبقى معها للنهاية ناصر (إياد نصار) الذي يأتي بابن شقيقه المصاب بعد أن قصف منزل العائلة ومات جميع من فيه باستثناء الصبي الصغير، كما يبقى معها وليد عمره أيام توفت والدته بسبب نقص الرعاية الطبية.
وببعض الربط الدرامي الذكي، من خلال شخصية ناصر الذي تقيم زوجته وبناته في القدس، يعرض العمل أيضاً بعضاً مما يدور في الضفة الغربية وداخل فلسطين المحتلة، في تشابك للخيوط يجعلها في النهاية تبدو كقصة واحدة متماسكة.
وهذه القصة تعتمد على تصاعد درامي هادئ، يبني توتره تدريجياً، ويوازن بين الحدث وتوقعه وصوت الانفجارات والصمت، ويمنح المتلقي مساحة للاستيعاب والتفكير، وليس الاكتفاء بملاحقة ما يدور أمامه.
ورغم أن الأحداث دامية ومهلكة للأعصاب، إلا أن “صحاب الأرض” لا يسعى لاستدرار الدموع بقدر ما يخاطب عقل وإنسانية مشاهديه، ولعل أهم ما ينجح فيه هو خلق شخصيات من لحم ودم يصدق المشاهد حضورها وواقعيتها وتظل حية في عقله حتى بعد أن تختفي بفعل آلة العدوان التي لا تتوقف أو انتهاء حلقات المسلسل. من كامل الباشا في دور الجد فاقد الذاكرة، الذي لا ينسى الأرض ولا بيته، والحفيد آدم بكري، الشاب المثقف المتعلم، الذي يوثق ما يدور حوله بالكاميرا ويحاول توصيل صوت غزة إلى الخارج، فيما يسعى لمساعدة عائلته ومن حوله، أو قصة أسرة ناصر في القدس وبالتحديد ابنته المراهقة التي تؤدي دورها تارا عبود، أو حتى الشخصيات العابرة مثل الجدة التي لا ترغب في تناول الدواء والتي تؤديها نجوى قندقجي.. أو الأم الحبلى المطاردة من قبل قوات الاحتلال، والتي تؤديها سارة يوسف.. وغيرها من الشخصيات، ويحسب لبيتر ميمي اختياره للممثلين وتوجيههم.
من أبرز العناصر الفنية في “صحاب الأرض” التصوير لحسين عسر، ويتضح ذلك منذ اللحظة الأولى في المسلسل التي تدور ليلاً داخل السيارة التي تنقل سلمى ورفاقها إلى داخل غزة: بكلمات قليلة للغاية وعن طريق التصوير، والسيارة تسبح ببطء وسط الظلام عبر معبر رفح إلى الداخل، واعتماداً على مصادر الاضاءة الطبيعية فقط، مثل كشافات الهواتف أو مصابيح السيارات، يجد المشاهد نفسه وقد أصبح فجأة وسط الخراب والدمار المحدق، حيث المباني المهدمة والأطلال أشبه بوحوش ليلية تحيط بالشخصيات.
استفاد بيتر ميمي، في تصوري، من تجاربه في الخيال العلمي في فيلمه “موسى”، وربما غرامه الشخصي بتقنيات أفلام نهاية العالم، ليتعامل مع صورة غزة باعتبارها مدينة ما بعد نهاية العالم، والتشابه موجود بالفعل، أشار إليه الكثيرون، ولكن أقصد التقنيات وزوايا التصوير والديكورات التي استخدمها للتعبير عن هذه الحالة.
وبشكل ما يمكن أن نشبه رحلة سلمى برواية جوزيف كونراد “قلب الظلام” التي حولها فرانسيس فورد كوبولا إلى فيلم Apocalypse Now، الذي يعد واحداً من أوائل الأعمال التي ربطت الحرب (فيتنام هنا) بصور نهاية العالم!
ولا يكتمل التصوير من دون المؤثرات الخاصة، التي يستخدمها “صحاب الأرض” بحرفية، وهي تندمج في نسيج المشهد المصور، بالإضافة إلى استخدامها في دمج اللقطات المصورة داخل الاستوديو باللقطات التوثيقية القادمة من غزة.
العناصر الفنية الجيدة كثيرة، المونتاج والإيقاع من أفضل عناصر العمل، ولا يمكن أيضاً إغفال الموسيقى التصويرية لأمين بو حافة، والتي اعتمدت على إشاعة الشعور بالترقب والرهبة والصدمة أكثر من الحزن والبكائيات التي غالباً ما يقع فيها مؤلفو الموسيقى والمخرجون في هذا النوع (وكل نوع تقريباً) من المسلسلات.
أخيرا أود أن أشير إلى عنوان العمل بالإنجليزية Indigenous الذي يعني “السكان الأصليون” في إشارة إلى الشعوب الأصلية لأميركا وسائر المستعمرات، وهي الكلمة التي استخدمها رشيد بوشارب لعنوان فيلمه الشهير الذي يدور حول الجزائريين في مقابل المستعمر الفرنسي، وهو عنوان يعطي للعمل رسالته ومغزاه، من دون كثير من الثرثرة.
وأخيراً أيضاً: يتكون العمل من 14 حلقة فقط، وتم صنع حلقة أخيرة وثائقية من إخراج آخرين، ليست في الحقيقة سوى محاولة لهدم كل ما بناه هذا المسلسل!
* ناقد فني
سماح أنور ترفض زرع كلية مقابل المال في الحلقة الأولى من مسلسل عرض…
لحظات من الفرحة العارمة عاشتها فاطمة" ماجدة زكي" خلال أحداث الحلفة 16 من مسلسل…
شهد مسلسل أب ولكن الحلقة 1، قيام الشرطة بالقبض على محمد فراج، وذلك بسبب…
مواعيد عرض وإعادة مسلسل عرض وطلب في رمضان 2026 والقنوات الناقلة …
شهد مسلسل أب ولكن الحلقة 1، خروج محمد فراج من السجن، وذهابه لرؤية ابنته…
شهد مسلسل أب ولكن الحلقة 1، ظهور هاجر أحمد في دور طليقة محمد فراج،…