كمال العيادي لـ«الصباح الأسبوعي»: عدم محاسبة المسؤول على المردودية مكلف أكثر بكثير من الفساد
كمال العيادي لـ«الصباح الأسبوعي»: عدم محاسبة المسؤول على المردودية مكلف أكثر بكثير من الفساد

- معركتنا الحقيقية  مع سوء الحوكمة  فلابد من إعادة تصويب هذه المسألة

-  بعد الثورة تعاملنا مع الإدارة كمطفئ حرائق للانتدابات الاجتماعية ولم نتعامل معها بمنطق المردودية الاقتصادية

-  التفقديات الوزارية أدوات لدى الوزراء  وكلّ وزير قادر على أن ينجم كل تفقدية وزارية صلب وزارته

 

أكّد رئيس الهيئة العليا للرقابة الإدارية والمالية كمال العيادي في حوار لـ"الصباح الأسبوعي" أنّ الغــارة الحقيقية هي مع سوء الحوكمة وأن سوء التصرف مكلف أكثر بكثير من الفساد.
وفسر العيادي أنّ تونس مازالت بعيدة عن الحوكمة الرشيدة التي قد تقي من سوء التصرف وتقلص من الفساد، فمازالت الإدارة تهمل سوء الأداء وغياب الإنتاجية للموظف رغم تكلفتها بالنسبة إلى المجموعة الوطنية.
وتـابع رئيس الهيئة العليا للرقابة الإدارية والمالية أنّ التفقديات الوزارية هي أدوات لدى الوزراء وكلّما توفرت إرادة الوزير للاستقصاء في الفساد يمكن لها أن تشتغل. لكن كلّ وزير قادر على أن يُنجم كلّ تفقدية وزارية صلب وزارته أي هي سلاح ذو حدين...وفيما يلي نصّ الحوار

 

* ماهو دوركم كهيكل رقابة في ظلّ تعدد الهياكل الرقابية واستشراء ظاهرة الفساد؟


في ألقى مسألة الفساد هناك الكثير من المقاربات فهناك المقاربة القانونية التي تشدّد على برنامج الإجراءات القانونية وتنفيذها، وهناك أيضا المقاربة الاقتصادية التي تتعامل مع هذه الظاهرة كرقم، وأيضا توجد المقاربة القيمية التي تعتبر الفساد انحرافا في السلوك ولابدّ من تقديمه من خــلال نشر الوازع الأخلاقي والعمل على إعادة العمل وإدخال التصرف في القيم في منظومتنا.
وهناك أيضا المقاربة المجتمعية التي يقدمها المجتمع من خــلال الصحافة وقيادة الرأي العام والأحزاب السياسية والمجتمع المدني.
فما هو دور هياكل الرقابة على كثرتها؟
الصباح في طرحنا لمسألة الفساد من وجهة نظر هياكل الرقابة فإني أقول إنّ معركتنا الحقيقية هي مع سوء الحوكمة فلابد من إعادة تصويب هذه المسألة ووضعها في إطارها الحقيقي أي تعزيز هذا المبدإ وتكريسه على أرض الواقع.
لأنّ سوء الحوكمة مكلف أكثر بكثير من الفساد، ولأنّ في غياب هذا المبدإ يبرز الفساد، ونحن نهتم دائما كرأي سـنــــة وفي مخيالنا بإحدى تمظهرات سوء الحوكمة المتمّثلة في حالات الفساد وأحيانا نهمل جوانب أخرى قد تكون مكلفة أكثر من هذه الظاهرة. 

* هناك لوبيات في الفساد عجزت الحكومة على التصدي إليها أهذا بسبب سوء الحوكمة؟


سوء الحوكمة يؤدي إلى بروز الفساد وبروز سوء التصرف الذي لا يقع تحت طائلة التتبعات الجزائية ولا يجبرها ولا يصنف على كونه فسادا بالرغم من أنه مكلف أكثر بالنسبة إلى المجموعة الوطنية.
المهمّ الإشارة أيضا إلى أن سوء الحوكمة يؤدي أيضا إلى الأخطاء في التصرف التي يتم تتبعها أمام القضاء المالي وهي بدورها مكلفة ولا تعتبر ولا تصنف إلى الصباح في خانة الفساد.
كلّ ذلك يؤدي إلى ضعف في الأداء وبالتالي الصباح نحن نهتم ببعض مظاهر اختلاس المال العام لأننا نتعامل مع الفساد على أنه عمل صادم وغير أخلاقي ونهمل جوانب أخرى من سوء الحوكمة.

* ماهي الجوانب الأخرى؟


نهمل مثلا سوء الأداء للموظف الذي يُعتبر مكلفا أيضا أكثر من الفساد، الصباح نعرف أنّ معاقبة مسؤول انحرف بإجراء قانوني كلّف المجموعة الوطنية خسارة بسيطة ولكن لا نُعاقب مسؤولا على أدائه الضعيف الذي انجرت عنه تكاليف باهظة.
لذلك أؤكد من جديد على أن معركتنا الحقيقية هي معركة مع سوء الحوكمة ولابد من وضع مسألة مكافحة الفساد في إطارها الصحيح.

* وما هو دوركم كهيكل رقابي؟


كهيئة عليا للرقابة المالية والإدارية التي تحتلّ موقعا مفصليا في منظومة الرقابة باعتبارها تتعهد بالتقارير التي تُنجزها كلّ هياكل الرقابة كدائرة المحاسبات وهياكل الرقابة العامة والتفقديات الوزارية، دورنا الحقيقي هو تعزيز الحوكمة والنهوض بالتصرف العمومي وهذا يؤدي مباشرة إلى التقليص من الفساد.

* ما الفائدة من كلّ هذه الهياكل الرقابية في غياب التنسيق بينها وفي ظل انتشار ظاهرة الفساد وغياب استراتيجية واضحة للحوكمة الرشيدة؟


صحيح الصباح على المستوى المؤسساتي هناك تعتبرّد من خــلال هياكل الرقابة والتدقيق والتفقد و والاستقصاء أي أنّ المشهد متنوّع وفيه كلّ المستوجبات.
لكن مازلنا بعيدين عن الحوكمة الرشيدة التي تقينا من سوء التصرف وتقلص من الفساد، وهذا له أسبابه. صحيح هناك تعتبرّد للهياكل ولكنها تلك هي الهياكل الضرورية التي يجب أن تكون موجودة.
فالرقابة موجودة على مستويين فهناك الرقابة الخارجية أي خارجة عن السلطة التنفيذية فتقوم بمراقبتها على سبيل المثال دائرة المحاسبات ولكن السلطة التنفيذية لابدّ أن تكون لها رقابة داخلية خاصة بها.
هناك هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد التي لها دور بالأساس هو استقصاء الفساد والتقصي فيه وإعداد الملفات ولها دور في الوقاية ولكن وقاية بعيدة تقوم على التوعية والتدريس والتدريب وغير ذلك.يعني جملة هذه الهياكل تتكامل بينما بينها...

* لماذا لا نرى تنسيقا بينما بينها؟


صحيح لا يوجد تنسيق بينما بينها كذلك يجب، فهناك شبه تنسيق صلب منظومة الرقابة باعتبار أن الهيئة العليا للرقابة المالية والإدارية مجلسها متكوّن من رؤساء كلّ الهياكل الرقابية التي  تتعهد بالتقارير الرقابية.
لكن الصباح هناك واقعا حقيقيا لا يمكن إنكاره وهو أنّ منظومة الرقابة ليست في أهم حالها ولابد من تعزيزها.
* لماذا ليست في أهم حالها؟
لأنّ هناك إصلاحات قانونية ضرورية لم تتمّ ولنا فيها تصور سواء بالهيئة العليا التي لا بد من إعطائها مزيدا من الصلاحيات حتى تجسّد مقترحاتها وتتمكن من القيام بأعمالها كهيكل تصرّف عمومي. وبالتالي هناك نقص على مستوى الأدوات القانونية التي تُمكن هياكل الرقابة من العمل.
إلى جانب ذلك هناك مسألة الاستقلالية فمثلا التفقديات الوزارية هي أدوات لدى الوزراء وكلّما توفرت إرادة الوزير لاستقصاء في الفساد يمكن لها أن تشتغل. لكن كلّ وزير قادر على أن يُنجم كلّ تفقدية وزارية صلب وزارته أي سلاح ذو حدين.
وبالتالي هناك ضرورة ملحة لمراجعة منظومة الرقابة في مشملها وإعطائها مزيدا من الصلاحيات والاستقلالية الوظيفية، كذلك أنها في حاجة إلى تطوير منهجية عملها، ففي دول أخرى أصبحت هناك رقابة على الأداء لا رقابة الامتثال والتطبيق. فنحن سياستنا في مكافحة الفساد لم تقض على الفساد وإنما أثرت على روح المبادرة لدى الموظف العمومي.

* هل تونس في حالة عجز عن اصلاح المنظومة الرقابية؟


لدينا تكوين ممتاز لهياكل الرقابة، ولدينا مراقبون أكفاء ولكن هناك حاجة إلى مزيد من الصلاحيات خاصة الهيئة العليا للرقابة الإدارية والمالية حتى تتمكن من تعزيز دورها في مساءلة المتصرّف العمومي.
فالمتصرف العمومي إذا لم  يستجب  لتساؤلاتنا وطلباتنا فليس لدينا عليه أية سلطة. لكن من حسن حظ الهيئة أنّ يكون على رأسها شخص برتبة وزير حتى يتمكن من التعامل مع الوزراء بنفس النديّة لكن إذا كان وزير يتجاهل مساءلتك فليس لدينا عليه أية سلطة.

* هل تعني أن النفاذ إلى المعلومة أيضا مسار عقيم ويُعلى سبيل المثال إشكالا بين الإدارات؟ وهل أن الإدارة فعلا انهارت؟


أنا أولا أؤكد على تقييمي وهو تقييم من وجهة نظر الرقابة فلست مسؤولا عن التصرف، وفي حقيقة الأمر لا أحبذ استعمال كلمة انهيار الإدارة. وإنما هبوط مردود الإدارة منذ سبع سنوات رغم تحقيقها نجاحات في السابق وساهمت في بناء المؤسسات وهي التي ساهمت في بروز القطاع الخاص منذ السبعينات والثمانينات. بعد الثورة هي من أمنت استمرارية الدولة عندما غابت السلطة السياسية والحكومة.  
ولكن للأسف الشديد هبوط الصباح مردود الإدارة التونسية بصفة ملحوظة جدّا، وهذا يعود إلى أربعة أسباب، فالإدارة التونسية في السابق كانت لها ثقافة العمل والجهد ونصيبها من الكفاءات والعامل الثالث كان لها حدّ أدنى من العدالة في التأجير. كذلك كانت للمسؤول سلطة في إدارته ويخضع للمحاسبة. أي كان هناك انسجام في القوانين وفي الانتدابات وفي المسؤوليات. لكن هذه العوامل الأربعة انقلبت الصباح رأسا على عقب ولم تعتبر هناك عدالة في التأجير وأصبح مخضرما وبالتالي هذا أثر كثيرا.
كذلك أصبحت الإدارة التونسية غير قادرة على الحصول على نصيبها من الكفاءات الوطنية، فالكفاءات العليا هاجرت خارج الوطن والذين أقل منهم مستوى استقطبهم القطاع الخاص والبقية تحاول استقطابهم الإدارة التونسية ثم إن بعد الثورة تعاملنا مع الإدارة كمطفئ حرائق للانتدابات الاجتماعية ولم نتعامل معها بمنطق المردودية الاقتصادية.

 

 حاورته: إيمان عبد اللطيف


 

المصدر : الصباح تونس