تراشق بالتهم.. عنف لفظي.. وهتك للأعراض: السقوط الأخلاقي للسياسيين.. إلى أين يقودنا؟
تراشق بالتهم.. عنف لفظي.. وهتك للأعراض: السقوط الأخلاقي للسياسيين.. إلى أين يقودنا؟

..«حاجي خناق بيكفي لعب.. خربتوها الجمهورية» لعل هذه الكلمات المقتبسة من أغنية الفرسان الأربعة وحدها تلخص على حد تعبير البعض السقوط المدوي للنخبة السياسية في بلادنا التي عكست بحر هذا الأسبوع إفلاسا أخلاقيا تجاوز الخطوط الحمراء ليبلغ حد هتك الأعراض. فمن تسنّت له فـــــرصة متابعة جلسة مداولات مجلس نواب الشعب حول مسالة تمديد عمل هيئة الحقيقية والكرامة سيقف حتما على إفلاس  سياسي وأخلاقي بلغ القاع. فقد فجّرت هذه المداولات «قريحة» النواب     التي عكست وعلى حد توصيف البعض سقوطا أخلاقيا مدوّيا.
بعد أن توجّه النائب حسن العماري عضو مجلس الشعب عن حركة نداء تونس بالقول حرفيا لزميلته سامية عبّو خــلال الجلسة العامة التي خُصّصت الإثنين 26 شهر آذَار للتصويت على التمديد لهيئة الحقيقة والكرامة: «ليس لدي محاضر بحث في مركز الحمامات ولم أكن راقصة في طبربة ومقهي الكونكورد.. أنت لديك تاريخ في الكاف وعلاقات ببعض المحامين.. نعرف كل شيء والفيديوهات موجودة لدينا.»
هذا التصريح على فظاعته سبقته بيانات وصولات وجولات للسياسيين برعوا من خلالها في فنون الإفلاس الأخلاقي على غرار
بيانات النائبة عن حركة النهضة منية ابراهيم لمحمد الناصر رئيس مجلس النواب حيث توجهت له بالقول حرفيا: «“أنا أرجل منك وأنظف منك”بعد ان كان لهذا الاخير بيان ركـــز بــواسطته انه»انظف منها ومن المقربين منها».
هذا دون أن نتغافل عن التّصريح المثير للجدل للنائب مبروك الحريزي: بعد أن أورد“أنا الصباح في المجلس انتحاري.. وسأقصفكم” وسط حالة من التوتر والتّشنّج وصلت إلى حدّ التشابك بالأيادي بينه وبين النائب عن كتلة نداء تونس محمد سعيدان..
سلوكيات ومواقف وتصريحات لا تعكس مطلقا حجم المسؤولية التي وضعها الشعب على عاتق من انتخبهم لنقف على مراهقة وصبيانية سياسية وعنتريات يعجز العقل عن استيعابها ويبدو أن جلسة التمديد لعمل هيئة الحقيقة والكرامة ستكون محل متابعة في قادم الأيام بعد أن أكّد ذلك عضو مكتب البرلمان حسونة الناصفي الذي اورد في بيان لـ«للشارع المغاربي» «أن محمد الناصر سيدعو رؤساء الكتل وأعضاء مكتب المجلس إلى جلسة مشتركة في القريب لمحاولة تجاوز الإشكاليّات والتصرفات التي وقعت بالبرلمان مؤخرا والتي مست من صورته». في تقديمه لقراءة مطولة ومعمقة حول تدحرج الخطاب السياسي إلى أدني مستوياته أورد الباحث في علم الاجتماع طارق بلحاج محمّد في بيان لـ»الصباح» أنّ الاتصال السّياسي مع المعجبيـن والتأثير فيهم واستقطابهم مهارة وعلم وفن وموهبة ولذلك نجد السياسيين المحترفين والأحزاب العريقة في أعرق الديمقراطيات يٌولون هذا الجانب أهمية قصوى إلى درجة أنهم يحيطون أنفسهم بـ»جيش» من المستشارين في الإعلام والاتصال المتخرجين من أعرق الجامعات أو المشرفين على أكبر مراكز البحوث ليتمكنوا من مخاطبة المعجبيـن وتعبئتهم
لكن يستدرك المتحدث ليوضح أن تونس الصباح وفي هذه الظرفية التاريخية الاستثنائية والتي تتسم بالعنف والاستقطاب والمناورة والهواية السياسية وضعف الإحساس بالمسؤولية الوطنية، والتي يتسم فيها المشهد السياسي بالتشتّت وغياب التواصل بين الأحزاب وحتى داخل الحزب الواحد وانقسام الأحزاب على نفسها وضعف انتشارها. وهذه الظرفية يحتاج فيها السياسيون من وجهة نظر بلحاج محمد إلى مراجعة استراتيجيات تواصلهم بعدما رسخت حقيقة ضعف استراتيجية التواصل السياسي وخوائها وطابعها الهاوي والمرتجل. وهذا ما يفسر  العزوف عن متابعة الأمر السياسي وفقدان الأمل في الطبقة السياسية وعودة شريحة واسعة من المواطنين للاهتمام بالشأن اليومي والمعاشي والرياضي كعنوان يأس وعزوف وهي رسالة للسياسيين كي يغيروا من أدوات واستراتيجيات تواصلهم بعد تهرؤ الاستراتيجيات البائسة كالتشهير بالحياة الخاصة على حد تعبيره.

تجارة الفضائح


وفسّر بلحاج محمّد أن التشهير بالحياة الخاصة أصبح جزءا من الثقافة الإعلامية والسياسية لبعض الأطراف، حيث أصبحت الحياة الخاصة وبالتحديد في جانبها الداكن ملعبا محبذا للسياسيين، ليس من أجل المحاسبة والرقابة على من يديرون الأمر العام، ولكن كأداة من أدوات الصراع السياسي موضحا انه بعد ان قطعت مراحل التشكيك في التاريخ النضالي والهوية والانتماء لأطراف ضد أخرى، وبعد استعمال العنف السياسي لإقصاء وترهيب خصوم سياسيين، ها أن اللعبة السياسية تصل الصباح إلى مرحلة»تجارة الفضائح» في مضمار حرب مفتوحة كل الأسلحة فيها متاحة حتى ولو كانت تفتقر إلى الحد الأدنى من الشجاعة والبعد الأخلاقي قائلا:»حرب يجند في إطارها أرشيف على ملك الدولة وأطراف مأجورة في الشبكات الاجتماعية ووسائل إعلام وصحفيون ومدونون وسياسيون... الغاية من وراء كل ذلك هو إلحاق أكبر ضرر بالخصم السياسي وهزمه سياسيا وأخلاقيا ليفقد شرعيته ومشروعيته وثقة الرأي العام».
كذلك تطرق المتحدث الى معضلة اللغة الشعبوية التي تتاجر بآلام وأوجاع وغرائز الناس والقائمة على الوعود الزائفة التي ربما تساعد في الربـــح بالانتخابات لكنها سرعان ما تتهاوى على أرض الواقع بعد أن يتم اكتشاف المغالطة زيادة على اللغة الإيديولوجية وهي لغة لا يٌقبل عليها التونسي كثيرا باعتبار هبوط عصر الاديولوجيات في القرن 21 وباعتبار أن مزاج التونسي المنفتح والإصلاحي ينفر من الخطابات الثورية الحادة والراديكالية
واعتبر الباحث ان هذا الفشل في التواصل يفرض على الفاعلين السياسيين الصباح مراجعة استراتجياتهم إذا أرادوا أن يكون لهم موطئ قدم في المشهد السياسي مستقبلا، ويكون ذلك بـ:اعتماد سياسة القرب أي القرب الجغرافي من المواطنين عبر تكثيف انتشار الأحزاب في كل المناطق حتى أكثرها بعدا، والقرب من مشاغل المواطن وانتظاراته ومطالبه بعيدا عن اللغة الشعبوية والتعبوية التي سرعان ما تتهاوى والغاية من ذلك هو بناء جسور الثقة الدائمة والتسويق السياسي والاجتماعي بعيدا عن المغالطات إلى جانب
-الابتعاد عن الخطابات المتشنجة والعدائية، فدور السياسي أن يطمئن ويؤطر لا أن يعبث بالأمن النفسي والاجتماعي لمواطنيه زيادة على
مراجعة استراتيجيات التواصل والاستعانة بالخبراء بما ان التواصل هو عبارة عن منهجية وبيداغوجيا واستراتيجيا وموضوع علمي يؤثر في المتقبل وهي كلها مفردات غائبة الصباح في عمليات التواصل الحالي. ودعا بلحاج محمد أيضا إلى مراجعة أدوات ومضامين التواصل السياسي فالتكثيف من الظهور المذيـــــع مثلا ليس بالضرورة وصفة للنجاح والوصول إلى المعجبيـن بل يمكن أن يعطي نتائج عكسية فهو موضة لزعماء الخمسينات من القرن المــنصرم ولم تعتبر ذات مردودية الصباح معتبرا أن استراتيجيات التواصل الفعالة الصباح تقوم على احترام ذكاء التونسي وكبريائه وكرامته وعدم الاستخفاف به وبقدراته والنظر إليه كمواطن وكانسان لا كمخزون انتخابي إلى جانب مخاطبة المستقبل وبعث رسائل الأمل في المستقبل شرط أن يكون أمل حقيقي وليس مغالطات. فالتونسي محب للحياة ويكفيه الأمل الحقيقي ليصبر على الصعوبات ويعطي ثقته للسياسي.

◗ منال حرزي

المصدر : الصباح تونس