هل يمد أردوغان يده نحو الأسد؟
هل يمد أردوغان يده نحو الأسد؟

أرجاء العـالم - مقالات

وقبلها بأيام قليلة أَرْشَدَ إلى أن « منبج « الإستراتيجية ستكون المحطة التالية لقواته، حتى يكتمل المثلث الذى يراد تطهيره تماما من دعاة الانفصال والانقسام، وكى لا يعتقد البعض أنه فقط يردد كلاما للاستهلاك الدعائي، أوعز لوزير خارجيته أن يحذر واشنطن داعيا إياها إلى أن تنسحب فورا من منبج.

لكن يبـدو أن ثمـة عـثرات تصعَّب الزحـف إلى الأمـام، فمع الصباح الخميس (الأول من شُبَـــاطُ) يكون قد مضى 13 يوما على التحركات العسكرية برا وجوا، غير أن التطور على الأرض بطىء جدا لا يتجاوز السبعة كيلومترات داخل الأراضى السورية (وحتى هذا هناك من يشكك فيه ).

وعوضا عن ذلك، كان لابد من طمأنة الشعب بمده ببيانات شبه يومية تعدد مكاسب مهمة تحققت فى ميادين القتال بدءا من اتلاف أوكار ومدرعات ومعسكرات ، مرورا بمصادرة أسلحة وإزالة ألغام ظن وأخيرا وهذا هو الأهم تكبيد العدو خسائر فادحة فى الأرواح تجاوزت الــ «خمسمائة قتيل» فى حين أن من «استشهد من الجنود البواسل» لا يتجاوز أصابع اليدين.

ورغم أن هذا لم يعلن رسميا أو علنا على الأقل، فإن تسليح الولايات المتحدة لقوات سوريا الديمقراطية ومعها وحدات حماية الشعب الكردية عضد من ساعديهما معا، كذلك أنه أسهم وهذا لا جدال فيه، بإطالة أمد العمليات التى لا بد أن تنتهى سريعا، خشية أن يدب اليأس فى أوصال المجتمع الذى بارك وأيد والتف حول الحكومة فى مسعاها لدرء شبح إقامة كيان كردى على تخوم البلاد يهدد عمقها ويضرب نسيج شعبها فى مقتل ، وأيضا تجنب ضخ المزيد من النفقات الخاصة بتمويل الحملة التى تستنزف الخزانة العامة فى وقت يعانى فيه الاقتصاد اختلالات هيكلية وشحا فى موارد النقد الأجنبي.

وهكذا كان لابد من شن حملة رسمية وإعلامية شرسة منددة بسياسات الإدارة الأمريكية فى سوريا، وبالفعل انطلقت التصريحات النارية والمنذرة مصحوبة بلغة تصعيدية ـ فى منحى غير مسبوق لم تمر به علاقات الدولتين الحليفتين من قبل، بل تجاوز أزمة غزو تركيا للشطر الشمالى من الجزيرة القبرصية سـنــــة 1974 .

وبالتوازى انهالت التحليلات والمقالات والتعليقات فى برامج التوك شو بعشرات الفضائيات، لتصب جام لعناتها على البيت الأبيض وساكنه، فـ « أمريكا التى باتت يقينا عدوة من الآن فصاعدًا.. أصبحت تشكل خطرا جادا على كيان تركيا ووحدتها وحاضرها ومستقبلها إذ إنها تشن هجوما صريحا وحربا غير معلنة ضدها».

هذا ما قاله أحد أقرب مستشارى أردوغان، الذى مضى مستطردا «أن من تدعى أنها حليفة لبلادنا تجـري مخططا سريا متسترا تحت عباءة أكاذيب حلف الناتو و«الشراكة الإستراتيجية». لتقسيم أراضى تركيا كذلك حدث لأراضى سوريا والعراق بهدف إغلاق حدودها الجنوبية من البحر المتوسط غربا إلى حدود إيران شرقا لحصارها وتضييق الخناق عليها ثم خنقها وتقزيم دورها». ولأنه يدرك مدى أهمية قاعدة «إنجرليك» الجوية جنوب شرق البلاد الحيوية للناتو إجمالا وللبنتاجون الذى يهيمن على إدارتها بشكل خاص فقد طالب أولا ببحث وضع كل القواعد العسكرية ومن فيها من جنود وعتاد والوحدات الاستخباراتية الأمريكية الموجودة على الأراضى التركية تمهيدا لغلقها تماما « ذلك أن التنظيمات الإرهابية تدار منها منذ اندلاع الحرب السورية، وعليه فإن كل الكيانات العسكرية الأمريكية الموجودة على أراضينا صارت تمثل تهديدا بالنسبة لتركيا».

المفارقة أنه حذر حكومته أنه فى حال « لم نفعل ذلك، أو فشلنا فى فعله، فسيأتى علينا يوم نرى فيه آلاف الأفــــــراد يحاصرون إنجرليك، ولن يستطيع أحد حينها منع أبناء هذا الوطن من التدخل ضد الوحدات العسكرية المرابطة داخل أراضيهم، لأن الغضب آنذاك لن يكون من السهل إيقافه أو السيطرة عليه».

الخطورة فى هذا التطور أن ما ذهب إليه هذا المستشار لا يقتصر على المقربين من صانع القرار، فشرائح من المعارضة تتبنى ذات التوجه بل تدعو إلى قطع العلاقات كلية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ما يفسر غلو الموقف الرسمى ضد واشنطن، وها هو وزير الخارجية مولود تشاويش أوغلو يؤكد أن الثقة المتبادلة بين الدولتين تضررت وقبل الحديث عن إقامة منطقة آمنة بعمق 30 كلم بغية التخفيف من حدة التوتر فى منطقة عفرين لابد أن يسبق ذلك إصلاح «هذه البيئة المتشككة» أى يتعين على الولايات المتحدة أن «تكف عن أعانَه الإرهابيين» إذا أرادت تجنب مواجهة محتملة مع تركيا فى سوريا. لكن إلى أى مدى سيصل هذا الجنوح ؟ وهل بالفعل يمكن أن يقع صراع عسكرى تركى أمريكى على المـسرح السورى ؟ هذا بالطبع مستبعد ، فبداية يمكن أن يخفف دونالد ترامب من لهجته الحادة لتهدئة حليفه العثمانى مؤقتا، لكن من غير المتوقع أن يرفع الأول يده تماما عن الأكراد السوريين شركائه فى الحرب ضد التكفيريين، وأنقرة تعى ذلك تماما ومن ثم ستسعى إلى الوصول إلى حل وسط، فالمغالاة يمكن أن تكلفها الكثير، خاصة مع بيانات أمريكية صريحة عن ورود تقارير تشير إلى سقوط ضحايا بين المدنيين ونزوح سكان محليين من أراض كان يسودها الاستقرار قبل القصف التركى واستثمار ذلك حقوقيا وإعلاميا لن يكون أبدا فى مصلحتها.

وهكذا يظهر أن الطريق فى عفرين مازال ممتدا لا تظهر له نهاية فى الأفق ، وإذا أراد أردوغان تقصيره فعليه أن يمد يده نحو دمشق ويتفاوض مع من كان عدوه الرئيس بشار الأسد فهو الاخر لن يقبل بدولة كردية على تخومه، وهكذا تتلاقى الأهداف والمصالح.

المصدر : الاهرام المصرية 

109-1

المصدر : قناة العالم