الخبير الدستوري د.هشام الصالح في حوار مع «مانشيت»: الأحـــزاب تزيد ...
الخبير الدستوري د.هشام الصالح في حوار مع «مانشيت»: الأحـــزاب تزيد ...

• كيف ترى  العلاقة بين السلطتين في ضوء الاستجوابات.. وهل يؤدي تشكيل حكومة جديدة إلى الحد منها؟ 

ـ بطبيعة الحال فإن الاستجواب حق دستوري للنواب وهو كذلك نعرف أداة رقابية لتصويب عمل وزير في قضية معينة يرى النواب أنها تجاوز أو تمصلح، وبالتالي فإن من حقه استخدام هذه الأداة. ولكن ألمح من السؤال انك تريد أن تقول إن الاستجواب في الجلسة الأولى لدور الانعقاد الثاني من الفصل التشريعي الخامس عشر وعقب الخطاب الأميري الذي طلب من السلطتين التعاون والقيام بما تقتضيه مصلحة البلاد، يشي بأن بعض النواب وهم الذين لوحوا قبيل الانعقاد باستجواب الوزير محمد العبدالله كذلك لوح آخرون باستجوابات لوزراء غيــرهم، وهذه التلويحات كانت متداولة بشكل مكثف في وسائل الإعلام ووسائل التواصل، يشي بأنهم ماضون بينما لوحوا به وهذا ما حدث، وكان من المفضل تأجيل الاستجواب الى جلسات مقبلة، ولكن الإصرار يعني سياسياً أن النواب يودون توجيه رسائلهم في اتجاهين: الأول للحكومة والثاني للقواعد الانتخابية. 

وهنا لا أقول إن الاستجواب دستوري أو غير دستوري أو مستحق، فهذه في مضمار اللعبة السياسية، ومن يحدد دستورية الاستجواب هو مجلس الأمة نفسه، وفي المحصلة فهذه سمة من سمات العمل النيابي. 

• ولكن الوزير أَرْشَدَ بوضوح إلى عدم دستورية بعض المحاور؟ 

ـ صحيح.. ولكن بمجرد صعود الوزير إلى المنصة فهو تسليم بدستورية الاستجواب، مع انه كان بإمكانه طلب التأجيل لمدة أسبوعين لدراسة الاستجواب بشكل ممتاز ومعرفة مراميه وأهدافه، ثم الرد عليه، ولكن وكما بدا واضحاً أن الاستجواب كان يسير إلى ألقى الثقة بالوزير وقد توافر 28 نائباً وليس فقط 10 نواب وهو سقف العدد المطلوب لطرح الثقة. 

• إذن الهدف كان واضحاً وهو إبعاد الوزير أو على الأقل التأزيم؟ 

ـ الحكومة الآن لا تملك الأغلبية الداعمة لها، وقد دخلت الجلسة وهي لا شك تعرف إلى أين سينتهي الاستجواب في ظل غياب لاعبين أساسيين ومؤثرين من النواب الذين كان بإمكانهم تغيير مسارات الاستجوابات. 

• أعتقد أنك لا ترى أفقاً للتعاون بين السلطتين في هذه المرحلة الحساسة؟ 

ـ أتمنى كأي فرد أو مراقب سياسي ومطلع على الأوضاع الاقتصادية وطموحات المواطنين وتطلعاتهم للخروج من الوضع الذي أستطيع أن أصفه بالمزري، اتمنى التعاون، ولكن السؤال الذي يلقي نفسه هل يمكن التعاون بين السلطتين في تركيبتهما الحالية؟ والجواب: لا أرى ذلك، فالنواب وهم يعيشون تحت هاجس الحل سيعمدون إلى القضايا 

«الشعبوية» ليتمكنوا من إرضاء قواعدهم الانتخابية، ولن يستقيم التعاون مع وجود هاتين التركيبتين أي تركيبة الحكومة وتركيبة المجلس. 

• تحدثت عن تأثير مواقع التواصل في الاستجوابات.. فهل هذا يعني أن النواب يتأثرون بما تنشره المواقع أم أن استجواباتهم مستحقة دستورياً ام ان وراء الاكمة ما وراءها؟ 

ـ لست وحدي من يقول ذلك فوسائل التواصل أصبحت مؤثرة بشكل ملحوظ على المواطنين، بل اصبحت تلعب دوراً اساسياً في تشكيل الرأي العام «المؤقت» على الاقل، لأن السياسيين وخصوصاً النواب لدى كل منهم وسائله وفرق عمله، وهذا يظهر واضحاً، فالفعل يتطلب رد فعل سريعاً، ومن هنا يصبح فضاء وسائل التواصل متوتراً وفي معظم الاحيان بردود واشاعات غير مدروسة، وبإمكان المراقبين - اذا ارادوا - ان يرصدوا التوجهات وان يدركوا أن حملة نائب معين نجحت وحملة آخر غير موفقة حتى لا نقول فاشلة. لكن 

الخطورة هنا في الافتراءات فالشائعة كالرصاصة لا يمكن إعادتها بعد اطلاقها، وهذا الأمر لا يمكن ضبطه الا بتحكيم الضمير، والضمير في العمل السياسي غائب في معظم الأحيان. 

فضاء مفتوح

• وما الحل لضبط الأمور؟ 

ـ لا أرى حلاً ما دام الفضاء مفتوحاً، وهناك أسماء وهمية تشتغل عبر حسابات في الخارج وإدارات وسائل التواصل لا يمكن أن تزود أحداً بالأسماء، لأن هذه الإدارات تتنامى وتحقق ربحيات معروفة.

أما الذين يغردون بأسمائهم الحقيقية ويتهمون ويفترون ويتطاولون باستخدام مفردات نابية وفي قضايا شخصية تمس السمعة، فالقضاء هو الملاذ الوحيد للمتضرر، وهناك أشخاص تمت معاقبتهم وينفذون الأحكام التي صدرت بحقهم. 

ولكن مع التسليم بتأثير وسائل التواصل في تكوين الرأي العام، مازلت أعول على وعي مستخدمي الوسائل، فالكل يعرف الكل، لكن التأثير مازال موجوداً وخطيراً خصوصاً في قضايا السمعة. 

والأمر لا يقتصر على الكويت ومنطقة الخليج وحتى المنطقة العربية، فهذه ظاهرة عالمية ويعتمد عليها معظم رؤساء البــلدان الكبرى حتى في قراراتهم أو التمهيد لإصدار قراراتهم. كذلك يفعل ترامب وبوتين وغيرهما من الرؤساء، عموماً فإن هذه الوسائل بالغة الأهمية والخطورة والتأثير، فالفضاء كذلك قلت مفتوح للجميع، ونحن في عالم جديد. 

الإعلام الورقي

• وماذا عن الإعلام الورقي أو المرئي والمسموع؟ 

ـ يظل للإعلام الورقي نكهته الخاصة وهيبته، وكثير من وسائل التواصل تأخذ منه، لكن الإعلام الورقي أيضاً يعتمد في تسويقه على وسائل التواصل. وكذلك الأمر بالنسبة للمرئي والمسموع، فهناك قنوات معروفة ولها سمعتها وتستطيع الاعتماد عليها، مع أن كثيرا من القنوات ممولة وتخدم توجهات مموليها ومشاريعهم وانتماءاتهم، فالفرز أصبح حاداً ومن السهل معرفته. 

ولا ننسى «السنابات» و»اليوتيوب» وأي شخص يمكنه أن يروج لفكرة معينة بصرف النظر عن إمكانياته ونجاحه وفشله. عموماً القانون وحده لا يستطيع ضبط هذه الوسائل. 

وأود ان اركز على الكويت، فالمعروف ان الجانب الحكومي شبه غائب، والتغريدات تكاد محصورة للنواب، واذا قلنا ان هناك 15 سكرتيراً لكل نائب، فإننا نتحدث عن 750 سكرتيراً، هذا عدا الحسابات التي يديرها هؤلاء. 

وهنا أود ان اوجه رسالة الى الحكومة لتوظيف هذه الوسائل لترويج انجازاتها على الاقل وهي منصات ملائمة وذات جدوى، ولا اعلم حتى الآن لماذا تتقاعس الحكومة عن ذلك. 

• المشـهور أنك سجلت موقفا ضد المعاشات الاستثنائية للنواب.. لماذا؟ وهل يمكن توضيح ذلك؟ 

ـ بداية اود ان اسجل شكري وتقديري للنواب الذين رفضوا استلام معاشاتهم الاستثنائية، فهي غير محقة ولا تحقق العدالة، وارى فيها تنفيعاً، وهنا اتساءل كيف يطلب نائب من حكومة يراقبها ان تعطيه معاشاً استثنائياً؟ 

التراجع الاقتصادي

• معظم الهيئات العالمية المختصة تشير إلى هبوط الوضع الاقتصادي في الكويت 

ومع ذلك نرى المشاريع المليارية، فلمن هذه المشاريع وكيف يتم توزيعها، وكيف يستقيم الهدر مع التراجع الاقتصادي؟ 

ـ نرى أن هناك نوعين من المشاريع، فمشاريع الديوان الأميري ناجحة وتؤتي ثمارها وهي في محلها، لكن المشاريع الحكومية اما متعثرة واما انها ليست في وقتها، كذلك ان غياب الرجل المناسب في المكان المناسب والذي يملك الرؤية المستقبلية ومعرفة ما تحتاجه الكويت وما يحتاجه المواطنون. 

واذا تحدثنا عن مشاريع الديوان الاميري والتي يقودها وزير شؤون الديوان الاميري الشيخ ناصر صباح الأحمد على سبيل المثال استغلال الجزر والاستثمار فيها تقع نقلة نوعية وتنقذ الاقتصاد الكويتي وتجلب المستثمر الأجنبي وتتوافر فيها كل جوانب النجاح، اضافة الى طريق الحرير الذي يربط الكويت بالعالم، ويجعل من البلاد نقطة  للاستيراد والتصدير ومركزاً مالياً وتجاريا. 

القطاع الخاص

• هل ترى أن القطاع الخاص مؤهل لقيادة هذه القطاعات الخدمية بما لا يحمل المواطن المزيد من العبء؟ 

ـ لا أرى أنه مؤهل حالياً لاستيعاب المواطن الكويتي وتخفيف العبء عن القطاع العام، فالأمر يتطلب حزمة من الإجراءات الجاذبة للمواطن التي تتيـح له الأمان الوظيفي الذي يجده في العمل الحكومي، فالأمر صعب لأن هدف القطاع الخاص المكسب فقط، ولا تتوافر فيه صفة الشراكة مع العملية الإنتاجية، ولكن نظل نأمل أن تتغير الرؤية ليرقى القطاع الخاص إلى مستوى يمكنه من تحمل مسؤولياته الوطنية. 

وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد كان مشروع «الداو» من المشاريع المهمة، وكان سيوفر فرص عمل كثيرة ويدر أرباحاً على الكويت، ولكن توقف تحت الضغوطات السياسية التي لا تعرف كيف ولماذا حدثت وتم تغريم الكويت بمليارين و160 مليونا في الوقت الذي استفادت منه البــلدان التي عملت به. 

كذلك ان هناك خللاً في ألقى المناقصات ومن ثم إعادة طرحها، وكل هذه الامور معوقات اساسية للنمو الاقتصادي. 

البطالة المقنعة

• القطاع الحكومي امتلأ حتى التخمة.. ومعه تزداد البطالة المقنعة، كيف نعالج هذا الأمر؟ 

ـ السبب في ذهنية المواطن الذي مازال يرى في دولته أنها دولة أبوية ومن واجبها تلبية كل حاجياته، والحكومة مازالت تشجع المواطن على الاتكالية وإن بدأت مؤخراً بتحفيزه على الانتاج وأداء العمل ومراقبته حتى يشعر بأن عليه ان يمنح مقابل ما يأخذ. 

• هل تشكل الضرائب والرسوم على الوفدين حلاً للوضع الاقتصادي؟ 

ـ الضريبة والرسوم مسائل محسومة في البــلدان المتقدمة وهذا لا نقاش فيه، ولكن ان تفرض بهذه الطريقة الاستعلائية التي تكاد تصل إلى العنصرية فهذا لن يحقق المأمول منها. 

وما أود أن أقوله هو فصل الرسوم وأخيراً المخالفات بالإبعاد فهذا أمر غير إنساني، والكويت بلد الإنسانية وسمو الأمير بشهادة أرجاء العـالم هو «قائد الانسانية» ومثل هذه الأمور وبهذه الطريقة غير مجدية.

وخلاصة القول ان علينا ان نعالج الأمور بتأن مع ضوابط معينة مدروسة. وسمو الأمير دائماً يعطي توجيهاته في كل المناسبات بأن العمل يجب ان يقترن بالانسانية. وهذا يتطلب تعديلات في قوانين المحكمة الادارية بحيث تتناسب العقوبة مع الفعل. والكويت ما زالت بحاجة الى الوافد ونحن اعتمدنا عليه في تاريخ الكويت وما زال دوره، اما العلاج فيجب ان يكون بطريقة اخرى. 

تجار الإقامات

• كيف يمكن معالجة الخلل في التركيبة السكانية؟ ومن السبب في اختلال التركيبة السكانية والعمالة السافرة؟

ـ كانت لدينا فـــــرصة بعد التحرير لاحضار العمالة التي تحتاجها البلاد، ولكن جشع تجار الإقامات الذين استشروا بعد التحرير هم السبب في هذا الخلل حتى أصبحنا أكبر دولة مستوردة للبطالة والعمالة السائبة. هنا يجب البدء بوقف تجار الإقامات والشركات الوهمية، ثم معالجة الخلل عبر مراحل مدروسة ومتأنية وبعيداً عن الوساطات والحلول الآنية التي لا تعني شيئاً ولا تحل المشكلة.

• تـطرح مشاريع على سبيل المثال (المشاريع الصغيرة، المتوسطة، المنزلية، العربات المتنقلة، المتناهية الصغر) فهل هذا التوجه جاد.. وهل هناك إقبال عليه؟ وماذا عن المشاريع الصغيرة واخواتها؟ 

ـ الآن تم تغيير مجلس الادارة التي نأمل ان تستفيد من اخطاء المجلس السابق، وفي كل الاحوال فإن هذه المشاريع التي تحفظـت لها مليارا دينار بحاجة الى ابتكار والى تنوع حتى تتحرك وتحرك معها عجلة الاقتصاد كذلك هي الحال في الامارات التي ذهبت الى الحكومة الالكترونية ثم الحكومة الذكية.. لكن ماذا عندنا في الكويت؟ 

تعديل الدستور

• هل هناك حاجة لتعديل الدستور؟ 

ـ اعتقد ان بعض المواد بحاجة الى التعديل من الناحية الفنية، فالكويت كان عدد ناخبيها سنة 61 والآن زاد العدد. بشكل هائل ما يتطلب زيادة عدد النواب الى 75 نائباً والوزراء الى 25 وزيراً، فالدساتير ليست منزلة وتعدل حسب وضع المجتمع ومتطلبات المراحل السياسية. وبهذا تستقيم الامور ويصبح للناخبين الممثلين الذين يمكنهم من متابعة اوضاعهم. 

• وماذا عن الصوت الواحد، فلقد قرأت لك رأياً حول ذلك.. هل يمكن المزيد من الايضاح؟ 

ـ نعم ، الصوت الواحد قضى على ما يسمى بالتكتلات الفئوية والطائفية وأحدث نقلة في الحياة السياسية، ومن محاسنه أن الناخب أصبح أمام خيار واحد، وهو انتخاب من يرى انه يمثله فعلاً، إضافة إلى قضائه على شوائب كثيرة في العملية الانتخابية. 

إشهار الأحزاب

• وماذا تقول عن الأحزاب؟ 

ـ الكويت ليست مؤهلة لإشهار الأحزاب بل إنها تزيد من الانقسامات الحادة، ونحن نعرف تركيبة المجتمع الكويتي الذي لا يمكن ان لا ينتج الا احزاباً فئوية او طائفية وربما عائلية ما يزيد الانقسامات، مع ان الاحزاب موجودة بمسميات اجتماعية، ولكن المجتمع الكويتي يعاني من ردة ثقافية إن لم نقل ردة وطنية، وقد كان في السابق أكثر تلاحماً ولكن الأوضاع الإقليمية أثرت فيه تأثيراً كبيراً، وعلينا ان نستفيد من التجربتين العراقية واللبنانية اذ ان الاحزاب عززت الانقسامات وشرعنتها، وهذا لا يساعد العمل السياسي الوطني الذي يجب ان نحصنه من الاختراقات. 

مناصحة الإرهابيين

• الكثيرون يتحدثون عن «مناصحة» الضالعين في العمليات الإرهابية خارج الحدود بذريعة أن هؤلاء يمكن اعادة تأهيلهم.. ماذا تقول؟ 

ـ هنا لا ادري كيف توصلت وزارة الاوقاف الى هذا الحل.. اذ كيف يمكن مناصحة الارهابي واعادة تأهيله وقد تلوثت ايديه بالدماء وشارك في عمليات القتل.. ثم من دفعه الى ذلك؟ لا اعتقد ان المناصحة مجدية، وقانون الجزاء وحده هو الذي يجب ان يطبق، اذن لنترك الامر في عهدة الشرطـــة والقضاء وهما كفيلان بالتعامل مع هذه النوعية، كذلك فعلت دول مجاورة وفشلت فيها برامج المناصحة لكن القبضة الامنية نجحت، ثم اذا صحت المناصحة للقاتل عن عمد في الخارج، لماذا لا تتم مناصحة القاتل او السارق هنا؟ الامر يثير الغرابة والاستغراب وهنا «اناصح» من يدفع بهذا التوجه الكف عن هذه المناورات التي ستحول المجتمع الكويتي الى مجتمع مضطرب، فهؤلاء لم يراعوا وطنيتهم وانسانيتهم عندما انخرطوا في العمل الارهابي تحت عناوين جهادية وقانون الجزاء هو الحل الوحيد.

المصدر : الكويتية