الانتخابات الإيرانية تجرى في مشهد ثقافي قاتم
الانتخابات الإيرانية تجرى في مشهد ثقافي قاتم

وسط اتفاق سـنــــة بين المعلقين في الصحف ووسائل الإعلام العربية والعالمية على أهمية الانتخابات الرئاسية الإيرانية فإن هذه الانتخابات المقرر إجراؤها بعد غد “الجمعة” تجرى في “مشهد ثقافي قاتم”.

وإذ وصف معلقون الانتخابات الايرانية المرتقبة بأنها واحدة من أهم وأصعب معارك الانتخابات الرئاسية في هذا البلد الذي يعاني من انقسامات داخلية عميقة واختلافات حتى حول الأهداف والمصالح العليا بما في ذلك الاتفاق النووي الذي أبرم مع الغرب تخت قيادة الولايات المتحدة فإن ادارة الأمريكية الجديدة للرئيس دونالد ترامب تظهر عازمة على اعتماد مواقف أكثر صرامة حيال طهران وكبح جماح تهديداتها الإقليمية.

ومع أن ستة مرشحين يتنافسون في هذه الانتخابات فإن رحى الغــارة الحقيقية تدور بين اثنين من المرشحين هما الرئيس الحالي حسن روحاني الذي يطمح لفترة رئلسية جديدة ومنافسه القوي ابراهيم رئيسي المدعوم بوضوح من المرشد الأعلى علي الخامنئي.

وفي السياق الإيراني بخصوصيته السياسية والثقافية يعبر حسن روحاني عما يسمى بالتيار الاصلاحي ويوصف بالمعتدل بينما ينتمي ابراهيم رئيسي للتيار المتشدد ويوصف بأنه “محافظ” ويتوقع بعض المحللين إمكانية أن يحل محل الخامنئي حال رحيله كمرشد اعلى للجمهورية الإسلامية.

وعداء الملالي الذين وصلوا لحكم ايران سـنــــة 1979ظاهر تجاه كل ما يتواصل بالحداثة التي ترتبط في أذهانهم بالغرب وسط مخاوف ظاهرة في دوائر القيادة الإيرانية من المؤثرات الثقافية الغربية على الشباب.

والسيد علي الخامنئي “المرشد الأعلى للجمهورية الاسلامية” الذي يلمح من حين لآخر لإمكانية تخليه عن موقعه القيادي في قمة هرم السلطة بإيران لم يتورع من قبل عن التدخل حتى في تحديد “أجندة الشعر والشعراء” في بلاده.

وواقع الحال أن الشعر كان في قلب السياسة بإيران على مدى قرون بينما كان الخامنئي قد بدأ بالتحدي الذي تشكله ثورة الاتصالات ووسائط الاتصال الجديدة لتصوره عن “الشعر الملتزم” مشيرا لاتجاه بعض الشباب لما وصفه “بالثقافة المنفلتة” بينما اصدر تهديدات “لتلك الفئة الضالة” حسب تعبيره.

وفيما يقال أن الخامنئي ذاته شاعر وله قصائد يظهرها للمقربين منه فقد يكون من الصعوبة بمكان أن يمنح شاعر حقيقي على تحديد المواضيع التي يتوجب أن يبدع فيها الشعراء او يضع لهم “أجندة” أو “خارطة طريق” بدعوى تطوير الشعر او حتى ” استخدام الشعر كسلاح في حرب الحق ضد الباطل وخدمة اهداف الثورة” على حد قول السيد علي الخامنئي في لقائه منذ فترة ليست بالبعيدة مع شعراء ايرانيين.

وكان الخامنئي قد تقع في لقاء مع لفيف من الشعراء الذين يقرضون شعرهم بالفارسية سواء داخل إيران أو خارجها في دول على سبيل المثال باكستان وطاجيكستان وأفغانستان عن “أياد تشتغل لإبعاد الشعراء الشباب عن مهامهم الثورية البطولية” والاتجاه لما وصفه “بالموضوعات التافهة على سبيل المثال الجمال والحب”.

وفي ظل هذا التصور الذي يتصادم مع جوهر الشعر كفضاء حرية وسلطة خيال لن يكون من الغريب أو المستغرب أن يذهب علي الخامنئي إلى أن الشعراء الذين “لا يخدمون أهداف الثورة الإسلامية” ولا يكتبون عما يصفه “بالموضوعات الحيوية” هم “مذنبون بجريمة وخيانة وليس لهم مكان في الجمهورية الإسلامية”.

والشعر قوة حقيقية في الحياة والسياسة في إيران التي عرف شعبها تاريخيا بحب الشعر لحد الولع حتى أنه لا يكاد يخلو بيت في إيران من ديوان للشعر غير أن المرحلة التي بدأت منذ سـنــــة 1979 مع “نظام الخميني” تعتبر الأسوأ في تاريخ الشعر والشعراء الإيرانيين الذين لم يتورع هذا النظام عن إعدام بعضهم وسجن البعض الآخر على نحو يعيد للأذهان محنة الشعراء الروس في مرحلة حكم ستالين للاتحاد السوفييتي السابق.

ومن الشعراء الإيرانيين الذين أعدموا في ظل نظام الخميني والخامنئي سعيد سلطان وحيدر مهريفان وهشام شعباني بينما اتجه عدد من كبار الشعراء الإيرانيين للحياة في المنفى على سبيل المثال محمد جلالي وهوشانج ابتهاج ومانوشهر يكتاي وهادي خورسندي واسماعيل خوي.

وعن إيران الوطن والنظام والذكريات والأسرار والحنين والثقافة جاءت “تحديقة الغزالة” التى صدرت بالإنجليزية فى العاصمة البريطانية لندن بقلم الروائى والطبيب والناشر الإيرانى اراش حجازى والذى يقول إنه استوحى العنوان من نظرة ندى سلطان “شهيدة الثورة الخضراء “التى اندلعت احتجاجا على التلاعب فى نتائج الانتخابات الرئاسية الايرانية سـنــــة 2009.

والمؤلف اراش حجازى كان الطبيب الذى حاول انقاذ الشابة ندى سلطان لكنها ماتت بين يديه وظهرت هذه اللقطات على اليوتيوب مما أرغمه على الفرار من إيران إلى بريطانيا خشية الموت على يد النظام الحاكم فى طهران.

ويتناول حجازى فى هذه المذكرات قصة الثورة الإيرانية والمشهد فى بلاده من الداخل بينما يصف جيله “بالجيل المحروق” جراء القمع وحملات الاعتقالات والقيود المتعددة ومن بينها العزلة القسرية عن أرجاء العـالم الخارجى معتبرا أن هذا الجيل قد حرقت أحلامه وأمانيه غير أنه سيبقى محبا للوطن.

والروائى والطبيب اراش حجازى اتجه أيضا إلي مجال النشر وولد فى إيران قبل نحو عقد واحد من ثورة الخمينى بينما يؤكد أنه أحب آية الله الخمينى فى بداية هذه الثورة بل والتقاه وكانت جدته تقول للعائلة إنها ترى صورته فى وجه القمر.

ويعترف أراش حجازى الذى كتب من قبل رواية “مأساة القمر” بأن عائلته اضطرت لممارسة النفاق حتى ييسر لها الحياة فى ظل النظام الذى حظى بتأييدها فى البداية غير أنه سرعان ما أظهر حقيقته القمعية وعدائه للحريات وحقوق الإنسان.

ويسرد حجازى فى” تحديقة الغزالة” التى كتبها بلغة جمعت ما بين الجمال والبساطة الكثير من الوقائع المحزنة على سبيل المثال عمليات الإعدام بعد محاكمات صورية لمن يشتبه فى معارضته لنظام الحكم ومن بينهم بعض أصدقاء والده الذى كان أستاذا جامعيا بكلية الهندسة بينما سجن البعض الآخر لمدد طويلة .

وبسبب الخوف من القبضة القمعية للنظام كذلك يقول حجازى عمد كثير من سائقى سيارات الأجرة لوضع لافتة “يرجى عدم النقاش” داخل السيارات بينما ازدهرت “ثقافة التهريب” التى تشمل الكتب وأشرطة الأفلام الأجنبية.

ويتناول حجازى فى هذه المذكرات قصة الثورة الإيرانية والمشهد فى بلاده من الداخل بينما يصف جيله “بالجيل المحروق” جراء القمع وحملات الاعتقالات والقيود المتعددة ومن بينها العزلة القسرية عن أرجاء العـالم الخارجى معتبرا أن هذا الجيل قد حرقت أحلامه وأمانيه غير أنه سيبقى محبا للوطن.

ويستدعى المؤلف بعض الوقائع الدالة علي “القهر الثقافى” على سبيل المثال إرغام الطلاب فى المدارس على قراءة كتب بعينها فى المكتبات وإعدام أى كتاب يعتبره نظام الحكم مخالفا لمبادىء الثورة أو الأخلاق من وجهة نظر هذا النظام الأمر الذى دفع المواطنين الإيرانيين ومنهم عائلته إلي اللجوء لما يسميه اراش حجازى “بالثقافة البديلة”.

ورغم أن المرشحين الستة في الانتخابات الرئاسية الإيرانية لا توجد بينهم سيدة واحدة، فإن هناك تقارير صحفية تشير إلى أهمية دور المرأة في هذه الانتخابات المرتقبة من منظور القوة التصويتية حيث تمثل السيدات ما يقل قليلا عن نصف عدد الناخبين.

ومن هنا سعى الرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني للظهور بمظهر الحريص على حقوق السيدات في مواجهة المرشح المتشدد إبراهيم رئيسي الذي لا يخفي مواقفه المناهضة للمرأة العاملة والتي تتشابه مع مواقف المرشد الأعلى علي الخامنئي وإن كان قد عمد في الأيام الأخيرة لحملته الانتخابية للتخفيف من حدة هذا العداء على أمل الربـــح بجزء من أصوات السيدات.

وقد انتهزت الصحفية والكاتبة والمذيعة الإيرانية كامين محمدى فـــــرصة ظهور روايتها الأولى “شجرة السرو” للتأكيد على أن وطنها أكبر بكثير من نظام حكم يقمع المثقفين ويدفعهم للعيش فى المنفى وتحدثت بصورة مستفيضة عن الأدب الإيرانى وقدمت للقراء فى الغرب قائمة مقترحة بأفضل عشرة كتب عن إيران.

وتنوه كامين محمدى لصحيفة الجارديان البريطانية إلي أن الأدب الإيرانى ثرى ومتنوع بما فى ذلك الأدب المعاصر معتبرة أن هذا الأدب إنما يعكس حضارة بلادها العريقة وثقافتها الغنية.

وولدت كامين محمدى فى إيران سـنــــة 1969 وانتقلت مع عائلتها للمنفى خــلال سـنــــة 1979 الذى شهد إندلاع الثورة الإيرانية لتعيش فى بريطانيا بينما تقيم حاليا بإيطاليا، وجاء كتابها الأول “شجرة السرو” عن إيران فى القرن العشرين عبر رواية تتناول ثلاثة أجيال من النسوة هى كامين ذاتها ووالدتها وجدتها.

وتتحدث كامين فى شجرة السرو عن إيران الجميلة كذلك عرفتها فى أيام الصبا، منوهة بأن الغرب يرتكب خطأ فادحا عندما يختزل إيران فى مجرد تهديد نووى محتمل سواء كانت قصة الأسلحة النووية حقيقة أو وهما.

وتقول كامين محمدى للقراء فى الغرب إن إيران كذلك عرفتها فى طفولتها تمثل لها نسيم الياسمين والابتسامة الهانئة والضحك من أعماق القلب وحكايات الحب وليالى السمر على البلاط الفيروزى وشقفات الرمان الياقوتى التى تهواها الخالات والعمات وهن يتبادلن البوح والأسرار فى ضوء القمر بينما يلهو الصغار فى بلد له عبق تاريخ عريق أثر فى الثقافة الغربية ذاتها.

واعتبرت كامين صدور روايتها الجديدة فـــــرصة سانحة للحديث بنوع من التوازن عن إيران التى لا يعرف الغرب عنها إلا قصص التعذيب والقهر والكبت واضطهاد المعارضين مع تسليمها بأن هذه الانتهاكات لحقوق الإنسان فى بلادها كانت وراء قرار عائلتها بالخروج من الوطن والعيش فى المنفى.

وإذ تستعيد طرفا من ذكرياتها مع الأدب والأدباء الإيرانيين الذين زرعوا بذور التمرد والإبداع في عقول الشباب على سبيل المثال “جلال آل أحمد” الذي تعرض لاضطهاد في ظل نظام الشاه ومات سـنــــة 1969 في ظروف غامضة والأديبة سميمين دانشوار- ترى الكاتبة المصرية الدكتورة نوال السعداوي إن الثورة الإيرانية سـنــــة 1979 كانت في بدايتها ثورة شعبية شارك فيها الملايين من أجل العدل والحرية والكرامة حتى سقط حكم الشاه غير أن هذه الثورة اختطفت من جانب “الملالي” وبالتعاون مع الأمريكيين “رغم العداء الظاهري بينهما”.

ولاريب أن المشهد الايراني الراهن بتدخلاته في السنوات الأخيرة في الخرائط والوقائع على الأرض العربية كان مجافيا لآمال حسن الجوار زيادة على التواصل الطبيعي بين حضارتين تجمعهما الكثير من الوشائج والتجليات الثقافية الظاهرة حتى على مستوى اللغة والمفردات كذلك ان رموزا ثقافية على سبيل المثال عمر الخيام حاضرة بقوة في الثقافة العربية مثلما هي حاضرة في الثقافة الفارسية.

وقد يشعر القاريء الصباح بكثير من الدهشة عندما يجد المفكر الاستراتيجي المصري جمال حمدان الذي غادر عن هذه الحياة الدنيا منذ أكثر من 24 عاما يتحدث عن “ظاهرة القفز الضفدعي لتركيا الباحثة عن دور والصراع التركي-الإيراني على الزعامة في الشرق الأوسط” !..وكأن جمال حمدان يحيا لحظتنا الراهنة وهو يقول في مطلع تسعينيات القرن العشرين :”تركيا وبلا مواربة تشتغل على فرض زعامتها على الشرق الأوسط وإيران تنافسها في ذلك طبعا”!.

وإذا كان بعض الكتاب والمعلقين في مصر قد نوهوا في سياق الجدل الحالي حول الانتخابات الرئاسية بأهمية قراءة التجربة الايرانية بشكل نقدي فان هذه القراءة تظهر مطلوبة باعتبار ان ايران طرف رئيس من دول الجوار للعالم العربي بينما يظهر جليا ان الاهتمام الغربي بالثقافة الإيرانية يأتي لأسباب عملية وبنظرة منفعية بل إن هناك اتجاهات ثقافية غربية لا تخفي نواياها في إمكانية “القيام باختراق ثقافي عميق في إيران لتغيير أو تعديل معادلة النظام الحالي في طهران بما يتلاءم أكثر مع مصالح الغرب”.

والقراءات الغربية للتجربة الإيرانية غزيرة ومستمرة ومتجددة كذلك يتجلى في كتاب صدر بالانجليزية بعنوان :”ايران الثورية : تاريخ الجمهورية الإسلامية” ,وفي هذا الكتاب سعى المؤلف مايكل اكسورثي لاستكشاف جديد للتطورات في إيران منذ ثورة 1979 والتي أفضت لما يسميه “بديمقراطية زائفة” ,فالنظام السياسي في إيران متوتر وقضية الديمقراطية لم تجد حلا كذلك يقول المؤرخ البريطاني والدبلوماسي السابق مايكل اكسورثي الذي ذهب في كتابه الى انه منذ سـنــــة 2009 قررت الحلقة العليا للنظام التخلي عن سياسة الزعيم المفقود الخميني بينما يتعلق بالتوازن بين الفرقاء والأجنحة المتعددة والاتجاه بدلا من ذلك لأسلوب القوة الغاشمة ضد المعارضين وهو توجه يضعف في الواقع الدولة الايرانية ولا يمنحها قوة”.

وقد تكون “الثقافة” هي الساحة الأكثر خطورة وتعقيدا في المشهد الإيراني الراهن جراء الافتقار للحريات بالمعايير المتعارف عليها عالميا في بلد يحظى بموروث ثقافي وحضاري عريق وقدم للإنسانية روائع تشهد على الثراء الإبداعي للإنسان الإيراني.

ومع أنه من المستبعد أن تفضي نتائج الانتخابات الرئاسية المرتقبة في إيران لتغيرات جوهرية في المشهد الثقافي فإن أي مثقف جدير بهذه الكلمة يتمنى أن يتحرر هذا المشهد من لونه القاتم وينعتق المثقفون في إيران من القيود والأحزان ويتبدد الغبار الذي يغطي جبين الإبداع الإيراني.

المصدر : محيط