تفاهة الديكتاتوريات.. قراءة في «أسس الشمولية» لـ«حنّة أرِندت»
تفاهة الديكتاتوريات.. قراءة في «أسس الشمولية» لـ«حنّة أرِندت»

تفاهة الديكتاتوريات.. قراءة في «أسس الشمولية» لـ«حنّة أرِندت» مانشيت نقلا عن ساسة بوست ننشر لكم تفاهة الديكتاتوريات.. قراءة في «أسس الشمولية» لـ«حنّة أرِندت» .

مانشيت - عكس ما كنت أعتقد، لا يتناول كتابنا هذا الاستبداد العادي الذي نعايشه بأوطاننا والذي كنت أعتقد أنّي بقراءتي لهذا الكتاب سأجد تحليلًا دقيقًا لآليّات عمله وتجليّات وجوده، فالكتاب يتناول الصورة الأقصى والأقسى لحلول السلطة حلولًا كاملًا، لا فحسب، من حيثُ كونها سلطة، على مقدّرات الأوطان، بل وجودًا كلّيًا شاملًا لأصغر دقائق الحياة المعاشة للأفراد المنزوين تحت لوائها.

من المعلوم أنّ السلطة، من حيث كونها سلطة، تحدّ من حرّية الأفراد، وذلك كونها وسيلة من وسائل السيطرة على الجموع من أجل الحصول على نظام ما يمكن بــواسطته إيجاد والحفاظ على صيغ المعيشة التي تم الاتفاق عليها مسبقًا إمّا بالاتفاق أو بالتجربة والخطأ، لكن ما يصدمك هو اللاتوقّف في السعي من أجل السيطرة الشاملة لا بُغية الحماية كونها وسيلة، بل من أجل القضاء تمامًا على الحرّية باعتبارها مظهرًا بشريًا فطريًا طبيعيًا، بل والقضاء أيضًا على مظاهر العفوية الإنسانيّة، حيثُ لا يُسمح تحت ظلّ الدولة الشموليّة بالاختلاف ولا التميّز ولا الحركة خارج مضمار الأيديولوجيّة الحاكمة والحركة الكبرى.

وكما أشرنا آنفًا، تُعاد صياغة المجتمع الخاضع للسلطة الشمولية صياغةً مختلفةً بُغية تحويل أفراده إلى فردٍ واحدٍ كبير مكوّن منهم، يمكن بسهولةٍ بعد ذلك وحسبما تقتضي الحاجة استبدال أجزاء منه بأجزاء أخرى بسهولةٍ ويُسرٍ، يمكن فيه إعداد الذوات الفرديّة إعدادًا تامًّا لتجعلها متقبّلة تمامًا، لأنّ تقوم بدور الضحية كذلك تقوم بدور الجلّاد بصورةٍ مرعبة تُخرج البشر عن كونهم بشرًا.

يتواجد النظام الشمولي في نظام الحزب الأوحد، وذلك انعكاس وتجلٍّ لحالة اللاتمايز وقتل الاختلافات بين الأفراد كونهم، كذلك أشرنا، فردًا واحدًا متألف من أفراد، لأنّ الأحزاب إنما توجد في النظام السياسي للتعبير عن المصالح المختلفة للفئات المؤلّفة للمجتمع، ولمّا كانت هناك مصلحة واحدة فقط ووحيدة في الدولة الشمولية، ولا يجوز أن تتواجد مصلحة غيرها، كان وجود حزب واحد أو حركة واحدة معبّرًا عن هذا الاتّجاه.

تعتمد الأنظمة الشموليّة (النازيّة والستالينية كمثالين أكثر اكتمالًا) على أسلوبين لفرض التغيير على المستوى الذرّي الفردي. أولهما هو أن تفرضُ تلك الأنظمةُ عزلةً مزدوجةً، من الداخل إلى الخارج والعكس، لأنّها تشتغل دومًا على إعادة تغيير الواقع الموضوعي وما يتوافق مع رؤيتها الذاتيّة له، ولما كان الأمر كذلك كانت الحاجة إلى العزلة ضروريّة للغاية كونها أولى خطوات «حماية» الأفراد من الخارج غير الشمولي، وثانيهما هو إعادة التأهيل المستمر والتلقين الأيديولوجي للنخب.

ما نلاحظه هو ليس فقط وجود عزلة بين المجتمع التوتاليتاري وبين غيره من المجتمعات، بل الأقسى من هذا هو وجود عزلة ما بين أفراد ذلك المجتمع وبعضه، ما يجعل هناك دائمًا ميلًا للريبة والشكّ الدائم بين الأفراد وبعضهم البعض، حيثُ كلّ شخص هو عميلٌ سرّيّ، فربّما يتم الإبلاغ عن شخص ما إذا ما اشتبه بما يقوله أو يفعله، لأنّ كلّ كلمةٍ ملتبسة هي عرضة للتأويل، والذي حين يتمّ الامساك عليه والزجّ به إلى المعتقلات أو معسكرات العمل لا يُكتفى فحسب بإخفائه وجعله على هامش الحياة والموت كذلك، بل يتمّ العمل على إظهار أنّ هذا الشخص لم يوجد أصلًا، لا يتم محوْ الشخص فحسب، بل يتمّ أيضًا محوْ ماضيه، قد نجدُ هذا مرعبًا وشديد الغرابة غير أنّ هذا التعجّب يذهب بعيدًا عندما نعلم أنّ علماء النفس الروس كانوا يشتغلون على تطوير أساليب يتم بها محو شخص ما من ذاكرة معارفه.

ولا يتوقّف الأمر عن هذا الحدّ، بل إنّ هناك شعور داخلي بالعزلة (لا الوحدة) عن الذات المتسائلة نفسها مع وأدها بمحاولات إعادة تعريف الواقع بالترويج الدائم من قبل الحركة الشموليّة بأنّ الأمور ليست على ما تظهر عليه وأنّ هناك حاسّة ما سادسة يتوجب أنْ تعْمل لرؤية ما هو خلف المرئي والمسموع والملموس.

ولمّا كان مسعى النظام الشمولي هو السلطة ولا شيء غير السلطة، ولمّا كانت السلطة في طبيعتها هي تمثيل لإرادة مجموع الأفراد المحكومين بشكلٍ ما، كان لزامًا أن يتمّ تفتيت ذلك المجموع بفرض تلك العزلة التي تحدّثنا عنها آنفًا لتنعدم القدرة على الفعل من قبل الأفراد. إذ ليس للمعزولين أيّ سلطة.

لا يكتفي فحسب النظام الشمولي بأنصاره المتحمّسين المقتنعين بأفكاره قدر ما يهتم بالفرد العادي وإفقاده القدرة على التمييز بين ما هو واقعي موضوعي وبين ما هو مزيّف أو واقعي ذاتي من جهة الحركة الشموليّة، وهنا نرى أنّ الأيديولوجيّات الشموليّة تُدركُ تمامًا عجزها عن تغيير ذلك الواقع وقهر أرجاء العـالم الخارجي بأكمله لفرض واقعها هي على أرجاء العـالم لذا تلجأُ دومًا إلى تغيير الطبيعة البشرية الكامنة في الأفراد الخاضعين لحكمها.

بقي أنْ نشير إلى أنّ شخصية القائد في النظام الشمولي لا يأتيها الباطل من بيْن يديها ولا من خلفها، يجبُ أن يظلّ القائد الأعلى على صوابٍ دائمًا، ولا يُكتفى بهذا فحسب بل لا يُسمح نهائيًا بانتقاد أي شخص ينتمي إلى أيّ منصبٍ حيثُ إنّ هذا الشخص وجوده معبّر ودليل عن وجود القائد نفسه، بينما لا نجدُ هذا في كثيرٍ من الأنظمة الاستبداديّة العاديّة حيث يجعل الديكتاتور مسافة بينه وبين رجاله يمكنه من خلالها التضحية بهم إذا ما ألحّت الظروف وكثُر الضغط واشتدّ.

مع وجود طغيان تكنولوجي رهيب وامتلاك الحكومات الآن قدرة رهيبة على استخراج أدق التفاصيل وثنايا المعيشة للأفراد والقدرة، وبكل سهولة، على رسم شجرة العلاقات ما بين الأفراد المحكومين وبعضهم البعض، ما مثّل أحد أحلام الدولة الشموليّة في امتلاك تلك المعرفة الشاملة وحصار الفرد، بقي لنا أن نتساءل: ما مدى احتمالية ظهور شموليّات أخرى في هذا القرن (عدا شموليّة كوريا الشماليّة البائسة)، وما مدى خطورة ظهورها الآن في تلك الفترة التكنولوجيّة المتميّزة التي تتنافس فيها مواقع التواصل الاجتماعي وتبادل المنتجات وشراؤها على تحصيل أكبر قدر من المعلومات الشخصية عن الأفراد؟

يظهر أنّ هذا الكابوس على أعتاب التحقق مع محاولة الحكومة الصينيّة فرض شموليّة ناعمة كتوجّه آخر نحو السيطرة على ذوات الأفراد المحكومين وذلك باستخدام أسلوب «الألعبة» بحيث تجعلك فردًا مطيعًا مع إعطائك حوافز بل وتسهيلات كلما كانت طاعتك أكبر، وذلك بنظام النقاط.

فكلما كان الفرد أميل إلى مشاركة الصور الإيجابيّة أو الأخبار من المواقع الإخباريّة المشـهور أنّها تابعة للحكومة، حصل الفرد على نقاط تساعد بينما بعد في زيادة فرصه للحصول على تسهيلات لاستخراج الأوراق من المصالح الحكوميّة أو حتى الحصول على قروض من البنوك، وعلى الجهة المقابلة، فكلما كان الفرد أمْيَل لمشاركة الأخبار أو الصور التي يراها النظام سلبيًا، خُصمت من النقاط وأخذت الأمور منحًى سيئًا، بل إنّ الأمر أكثر من ذلك، حيث يتكامل هذا النظام مع أنظمة الشراء عبر الإنترنت ما يجعله مُدركًا لطبيعة مشترياتك؛ فكلّما كانت مشترياتك محلّية زادت نقاطك بينما تنقص نقاطك إذا ما اشتريت منتجًا مُستَوْرَدًا.

الأمر الآن ليس له عواقب أمنيّة، غير أنّ وجود نظام كهذا سيجعل الأمر في المستقبل، وقتما يكتمل اندماج الأفراد تمامًا به، سهلًا للغاية، وحينها يُصبح ما قرأناه في ديستوبيا 1984 لجورج أورويل على أعتاب التحقق.

فهكذا، كلّما أوغلتُ أكثر في قراءة صفحات هذا الكتاب، أدركتُ أنّنا نقبع تحت ديكتاتوريّات هَزْليّة وهشّة لا تملك من أمرها شيئًا ولا تحافظ على وجودها بذاتها ولا تملُك أيديولوجيّة متماسكة تجعلها بمثل القوّة التي جعلت الشموليّات بهذه القوة والتكامل ما يجعلني أتساءل بكلّ صدقٍ: أبائسون نحنُ لهذه الدرجة؟!

برجاء اذا اعجبك خبر تفاهة الديكتاتوريات.. قراءة في «أسس الشمولية» لـ«حنّة أرِندت» قم بمشاركتة الخبر على مواقع التواصل الإجتماعي . يمكنك ايضا متابعة كافة الاخبار عن طريق فيسبوك وتويتر .

المصدر : ساسة بوست