من بينهم الأمير عبد القادر.. أبرز الثوريين الذين تعرضوا للتشويه في الجزائر
من بينهم الأمير عبد القادر.. أبرز الثوريين الذين تعرضوا للتشويه في الجزائر

من بينهم الأمير عبد القادر.. أبرز الثوريين الذين تعرضوا للتشويه في الجزائر مانشيت نقلا عن ساسة بوست ننشر لكم من بينهم الأمير عبد القادر.. أبرز الثوريين الذين تعرضوا للتشويه في الجزائر .

مانشيت - يقوم بالاحتفال الصباح شعب الجزائر بالذكرى الـ63 لاندلاع الثورة التحريرية، الثورة التي خلّدها التاريخ باعتبارها واحدة من أعظم الثورات في القرن العشرين، نظرًا للبطولات التي جسدها الشعب الجزائري، ناهيك عن التضحيات التي قدمها طيلة 132 سنة من الاستعمار الفرنسي لبلاده، في الناحية الاخرى وجد بعض القادة الجزائريين الذين شاركوا الجزائريين كتابة تاريخٍ مشرفٍ عن تضحياتهم أنفسهم متهمين، تارةً بالخيانة، والتواطؤ ومعارضة الحكم بعد الاستقلال تارةً أخرى، ومن بين الشخصيات التي سنتحدث عنها في هذا التقرير كل من أحمد باي بايلك قسنطينة في فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر، والأمير عبد القادر الجزائري صاحب أعظم ثورة شعبية في نهاية القرن التاسع عشر، ناهيك عن مصالي الحاج والعقيد شعباني ومحمد بوضياف.

اقرأ أيضًا: في ذكرى الاستقلال.. هل سيعترف ماكرون بجرائم بلاده في الجزائر؟

«أحمد باي».. العثماني-الجزائري والمجاهد المغضوب عليه

في الوقت الذي توجه فيه «أحمد باي» إلى العاصمة الجزائر من أجل دفع «الدنوش» والهدايا المفروضة على البايات كل ثلاث سنوات إلى الداي حسين، انطلاقًا من أعراف الدولة العثمانية آنذاك، كان الجنود الفرنسيون في طريقهم للجزائر بينما عُرف وقتها بالحملة الفرنسية على الجزائر تخت قيادة الجنرال «دي بورمون»، تواجدُ «أحمد باي» مع جنوده في العاصمة أعطى أملًا للجزائريين للتصدي لهذا العدوان. لم يخيب أحمد باي ثقة الداي حسين الذي استدعاه في اجتماعٍ من أجل استشارته في الطريقة التي تواجه بها الجزائر الحملة الفرنسية، فاقترح الحاج أحمد باي خطةً تمثلت أساسًا في انسحاب القوات الجزائري نحو مدينة شرشال، وتُترك للفرنسيين فـــــرصة لإتمام الإنزال بشاطئ سيدي فرج، بعدها يتم الهجوم عليهم من قبل القوات الجزائري المتواجد بشرشال والعاصمة، وهي الخطة ذاتها التي استعملها «أحمد باي» بينما بعد في الذود عن مدينة قسنطينة. شكلت «خطة أحمد باي» نقطة فارقة في معركة احتلال الجزائر، إذ أنها نجحت في البداية في صدّ الهجوم قبل أن ينهزم القوات الجزائري في «معركة سطاوالي» الشهيرة ليعلن بعدها الداي حسين الاستسلام ويوقع على معاهدة تسليم فرنسا للجزائر.

ولد أحمد بن محمد الشريف بن أحمد القلي المشـهور باسم أحمد باي حوالي سنة 1784 بمدينة قسنطينة من أصل كرغلي، إذ كان أبوه من أصلٍ عثماني وأمّه جزائرية، عرف الحاج أحمد باي بحزمِهِ وذكائه وقوة شخصيته عند حكمه لبيلك (مقاطعة الشرق) قسنطينة سـنــــة 1826، هذه المقاطعة التي عرفت بالاضطرابات الإدارية وعدم الاستقرار، بمجرد تسلمه لمهامه عمل على إرجاع المقاطعة إلى وضعها الطبيعي، عن طريق قيامه بإصلاحات، فكسب قلوب سكان قسنطينة ما أدى بينما بعد بسكان هذه المدينة بعد احتلال مدينة الجزائر العاصمة أن يصروا على ضرورة بقاء الحاج أحمد باي بالمدينة ليدافعوا معًا عنها، هذا ما جعله يعلن الجهاد ضد فرنسا وينطلق في مقاومة شعبية رسمية عنيفة ضد المستعمر الفرنسي.

بالموازاة مع ذلك قامت ثورة شعبية أخرى بالغرب الجزائري، قادها «الأمير عبد القادر الجزائري»، وفي الوقت الذي كانت فيه فرنسا تتلقى ضربات عنيفة من المقاومتين وصلت بها إلى عدم قدرة مجاراتها المقاومتين معًا؛ فضّل الأمير عبد القادر توقيع معاهدة هدنة مع فرنسا عرفت بـ«معاهدة التافنة» التي سمحت لفرنسا توجيه كل قوتها لوأد مقاومة «أحمد باي» إلى أن تمكنت فرنسا من إسقاط مدينة قسنطينة، انسحب الحاج أحمد باي على إثرها إلى الصحراء مشكلًا مع جنوده جيشًا جديدًا حاول مرارًا به صدّ الاحتلال الفرنسي من التطور أكثر، ورفض أحمد باي التفاوض مع فرنسا التي رأت في المفاوضات معه فـــــرصةً لتعزيز ركيزتها بالمدينة، مفضلًا مواصلة الكفاح ضد فرنسا حتى وفاته سنة 1856.

وترى الدكتورة المختصة في تاريخ الجزائر المعاصر «بيشي رحيمة» في حديثها مع «مانشيت» أنّ المؤرخين خصوصًا الغربيين عملوا على تشويه صورة أحمد باي من خــلال تلميحهم إلى أصله الكرغلي في كلّ ملائمةٍ وكونه ممثلًا للدولة العثمانية، واستغلال ذلك لتبرير عدم الانسجام والتنسيق والذي نتج عنه توقيع الأمير عبد القادر لهدنة مع فرنسا.

وفي عشية الاحتفالات بذكرى الثورة التحريرية الجزائرية كشــفت وزارة الثقافة الجزائرية عن إحتفالٍ بالمناسبة يحييه أحد مطربي الكباريهات المسمى «هواري منار»، وذلك في قاعة أحمد باي بقسنطينة، وخلفت هذه الحفلة سخطًا شعبيًا كبيرًا إذ اعتبرتها شريحة واسعة من الجزائريين إهانة للثورة التحريرية ولشخص أحمد باي كون الإحتفال سيقام في قاعة تحمل اسم أحمد باي، ويرى المواطن الجزائري «عبد القادر بوتيتل» في حديثه مع «مانشيت» أن إقامة هذا الإحتفال وتعيين مطرب ساقطٍ لتنشيطه والمكان الذي تم اختياره للحفل ناهيك عن الوقت هو إهانة وظلم كبيرٌ للجزائر وقادتها، وأما الغضب الذي خلفه إعلان هذا الإحتفال رضخت السلطات لمطالب الجزائريين بإلغائه إذ وزير الثقافة «عز الدين ميهوبي» شخصيًا باستبدال الفنان هواري منار بمغنٍ آخر وقام بالاعتذار للشعب الجزائري.

«الأمير عبد القادر».. من مؤسس الدولة الجزائرية المعاصرة إلى خائن وماسوني

في 20 تُشَرِّيَــنَّ الثَّانِي (نُــوفَمبرُ) سـنــــة 1832، وقف «الأمير عبد القادر» مناديًا الجزائريين بالبيعة أميرًا في خطوة لبدأ مقاومته ضد الاحتلال الفرنسي للجزائر، اتخذ الأمير عبد القادر مدينة معسكر بالغرب الجزائري عاصمة له، وبدأ بجمع المتطوعين، وتكوين جيشٍ قويٍّ يصدّ به التطور الفرنسي نحو باقي الأراضي الجزائرية، وحقق الأمير انتصاراتٍ عديدة وكبيرة؛ حيث طارد القائد الفرنسي «بوايه» حتى عزلته فرنسا وعّينت «دي ميشيل» بديلًا عنه، واضطر هذا الأخير إلى عقد اتفاق هدنة مع الأمير عبد القادر، في 26 شُبَـــاطُ(فِـــبْرَايرُ) سـنــــة 1834 عرفت بمعاهدة «دي ميتشل»، التي نصّت على التصديق على فرنسا على سلطة الأمير عبد القادر على كل مقاطعة وهران وتوجب له الحق في أن يعين القنصل وأن يستورد الأسلحة من أية جهة يريد.

وأمام توقيع هذه المعاهدات بدأ اتهام الأمير بالخيانة، إذ اعتبره بعض المؤرخين أوّل من وقع معاهدة مع المحتل، وترى الدكتورة والأستاذة المحاضرة والباحثة بكلية علوم الإعلام والاتصال بجامعة الجزائر 3 «بوزيفي وهيبة» أنّ توقيع الأمير لتلك المعاهدة، وإن كان في أحد نصوصها يعترف بسلطة فرنسا على الجزائر، فإنه أيضًا يكفل للأمير اعترافًا فرنسيًّا به مما قد يكسبه اعترافًا دوليًا.

لكن فرنسا نَقَضَت المعاهدة في تَمُّــوزُ (يُــولِيُوُ) 1845م ليرد الأمير بدك القوات الفرنسية في معركة «المقطع» الشهيرة، مكبدًا فرنسا خسائر كبيرة جعلتها تطلب الصلح على لسان قائدها الجنرال «بيجو» في أيَّــارُ (مَــايُوُ) سـنــــة 1837، وينتهز الأمير عبد القادر فـــــرصة الهدنة تلك؛ ويعمل على تأسيس الدولة الجزائرية المعاصرة من خــلال تقوية القوات وصكّ العملة وتشكيل المقاطعات الإدارية، في تلك الأحيان كانت فـــــرصة لفرنسا لتخمد مقاومة «أحمد باي» بالشرق الجزائري، مما جعل بعض الجزائريين يتّهمون الأمير بخيانة أحمد باي من خــلال السماح لفرنسا بتحييد جيشه وتوجيه قوتها الكاملة للقضاء على المقاومة بالشرق.

يرى وزير الشؤون الدينية السابق ورئيس المجلس العلمي لمؤسسة الأمير عبد القادر «محمد برضوان» أن الأمير عبد القادر عاب السلطة العثمانية المتمثلة في أحمد باي التي تخلَّت عن حماية المواطنين الجزائريين، ولذلك أسس المقاومة ولم ينسِّق مع أحمد باي في مقاومته، من جهته أخـبر رئيس مؤسسة الأمير عبد القادر «محمد بوطالب» أنّ الأمير عبد القادر كان وقتها هو القائد الفعلي للجزائر، لأنّ الشعب هو من عيّنه، ليس كأحمد باي الذي عٌيّن من طرف السلطة العثمانية، ولذلك وجب على أحمد باي أن ينسق مع الأمير عبد القادر وليس العكس.

لم يتوقّف ظلم تاريخ الأمير باتهامه بخيانة أحمد باي فتوجه البعض إلى اتهامه بـ«الاستسلام» والاعتراف بفرنسا، وذلك بعد أن تمكنت فرنسا من هزيمته عن طريق توجيه ضربة عسكرية عنيفة لقواته بعد أن تمكنت فرنسا من هزيمة أحمد باي بالشرق مما جعله يفقد عاصمته «الزمالة»، ما اضطر الأمير عبد القادر إلى اللجوء إلى ملك المغرب سنة 1843، الذي تعرّض لضغوط فرنسية كبيرة جعلته يطرد الأمير عبد القادر بالنهاية، وأمام هذه الأوضاع قرر الأمير عبد القادر الاستسلام في 23 كَانُــونُ الْأَوَّلِ (ديًسمبــرُ) سـنــــة 1847، والتوقيع على معاهدة الاستسلام وتمّ نفيه إلى فرنسا ثم إلى دمشق.

في دمشق ورغم إنجازاته البطولية التي أخمدت نار الفتنة بين السوريين آنذاك، إلّا أن نفرًا من المؤسسات الغربية بمعية بعض العرب والجزائريين الذين يكنون للأمير عبد القادر حقدًا كبيرًا؛ كونه مؤسس الدولة الجزائرية، أرادوا استغلال فـــــرصة تواجد الأمير في منفاه إانقاذه لآلاف المسيحيين جراء توسطه في الحرب الأهلية السورية ليتهموه بالماسونية، ويرى البروفيسور «سليمان بن عزيز» الأستاذ بالمدرسة العليا للصحافة بالجزائر أنّ الأمير عبد القادر لم ينخرط يومًا في الماسونية مثلما تناقلت بعض الكتابات، مؤكدًا بأن كبرى محافل فرنسا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حاولت استغلال الرسائل التي تبادلها مع الشخصية ما لصالحها، وفسر ابن عزيز أن «محفل هنري الرابع» تحديدًا هو الذي حاول استمالة الأمير عبد القادر الذي يعتبر مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة ملمحًا للرسائل التي كان يتبادلها مع هذا الأخير، وتـابع أنه من خــلال إنقاذ 12 ألف مسيحي من الموت بدمشق منذ 1855 لم يقم الأمير عبد القادر بذلك بدافع قيم الماسونية وإنما قيم «الإنسانية والتسامح».

مصالي الحاج.. الذي خطفت منه الثورة

ولد أحمد مصالي الحاج في 16 أيَّــارُ(آيار) سـنــــة 1898 بمدينة تلمسان، ترعرع وسط عائلة محافظة، تلقى في صغره تعليمًا دينيًا في إحدى زوايا تلمسان، قبل أن يستدعى للخدمة العسكرية الإجبارية في القوات الفرنسي. لاحقًا، ساعد «مصالي الحاج» في تأسيس الكثير من الأحزاب السياسية التي ناضلت لاستقلال الجزائر، إذ لقب بأبي الحركة الوطنية.

بداية نشاطه كان من خــلال انضمامه إلى جمعية الأخوة الإسلامية، وإلى الحزب الشيوعي، وفي شهر آذَار (مَــارَسَ) سـنــــة 1926 ترأس حزب نجم شمال أفريقيا، لكن فرنسا قامت بحلّ الحزب، ليؤسس بعدها مصالي حزب الشعب الجزائري في 11 شهر آذَار (مَــارَسَ) 1937، وتعرض للسجن ومصادرة أملاكه عدة مرات بسبب نشاطه السياسي المعارض لفكرة إدماج الجزائر مع فرنسا.

بدأ مصالي الحاج يدرك أن تحرير الجزائر يجب أن يقرن بثورة مسلحة، فبدأ في الإعداد للثورة الجزائرية، ففي تُشَرِّيَــنَّ الْأَوَّلُ(أُكْتُوبــرُ) سـنــــة 1946 ترأَّس مصالي الحاج حركة مكسب الحريات الديمقراطية، والذي تقرر في مؤتمرها الأول اعتماد قرار الإبقاء على حزب الشعب الجزائري سرًا، وإنشاء منظمة شبه عسكرية مهمتها التحضير للثورة المسلحة.

ومع اندلاع الثورة التحريرية في الفاتح من تُشَرِّيَــنَّ الثَّانِي ( نُــوفَمبرُ) سـنــــة 1954، انضم عددٌ كبيرٌ من الشباب الجزائري إلى صفوف مصالي الحاج اعتقادًا منهم أنّ مصالي هو قائد الثورة، ليتبين لهم بعد أشهر أن الثورة قامت بدون علم مصالي الحاج، في وقتٍ أصدرت فيه قيادة الثورة المتمثلة في حزب جبهة التحرير الوطني أوامرها للجيش الجزائري بقتال جماعة مصالي الحاج لتحدث مشادّات مؤسفة بين الطرفين، وأخـبر «نورالدين إيت حمودة» ابن الشهيد «العقيد عميروش» أحد قادة جيش التحرير الجزائري، في شهادات مثيرة لقناة «الخبر» الجزائرية، أن الزعيم الوطني «مصالي الحاج كان يقود جماعة تقتل المجاهدين والجزائريين»، من جهته ركــز المجاهد الدكتور «رابح بلعيد» أنّ مصالي الحاج لم يكن ضد الثورة التحريرية، بل كان هو المخطط لها، ومعظم قادة الثورة الجزائرية خرجوا من رحم مصالي الحاج، من جهته ركــز المؤرخ الجزائري «محمد حربي» أن مصالي الحاج كان يحضر للمقاومة المسلحة، بتكوين نخب عسكرية.

جديرٌ بالذكر أن معظم قادة الثورة التحريرية كانوا تحت لواء حركة مكسب الحريات التي كان يترأسها مصالي الحاج، وفي أحد اجتماعات حركة أنصار الحريات نادى «محمد لمين دباغين» بتعيين لجنة مركزية جديدة‮ يجب ألا‮ تكون من صلاحية مصالي‮ وحده، مما رأى فيها مصالي حاج بداية للانقلاب عليه، استمر بعدها مصالي الحاج في رئاسة حركة مكسب الحريات، نتج عن اللجنة المركزية الجديدة تأسيس المنظمة الخاصة، التي لم يكن لمصالي الحاج دورٌ فيها، عملت المنظمة على تحويل النضال من السياسي إلى العسكري، مما نتج عنه تشكيل جيش التحرير الوطني الذي كان مصالي الحاج ينادي بتشكيله منذ تأسيسه لحركة مكسب الحريات، وأمام تهميش مصالي الحاج وتولي القادة الستة مسؤولية تفجير الثورة التحريرية، أسس مصالي الحاج حزب الحركة الوطنية الجزائرية متحديًا النداء من جبهة التحرير الوطني الذي طالب كل التنظيمات بحلّ نفسها والانضمام إلى الثورة، فكان على قادة الثورة إعلان مصالي الحاج متمردًا واتهم بالخيانة!

في وقتٍ تؤكد ابنته «جنينة مصالي» من خــلال مذكرات كتبتها عن والدها تحت عنوان «حياة تقاسمتها مع والدي مصالي الحاج» إنه «عند اندلاع الثورة لم يقف مصالي الحاج موقف العدو – كذلك يصوّره البعض – بل إنه لم يكن واثقًا من قدرات تلاميذ الأمس الذين تربّوا في مدرسته السياسية والنضالية الاستقلالية، ولم يهضم خروجهم عن طاعته، ويمكن أن نعتبر الأحداث الأليمة التي اندلعت آنذاك خاصة في فرنسا، بأنها مجرد انزلاقات هامشية على حساب الغاية الاستراتيجية التي ناضل من أجلها»، ومن جهته أنصف المجاهد المفقود والأمين العام الأسبق لحزب جبهة التحرير الوطني عبد الحميد مهري الرجل حين أخـبر في شهادته عليه «مصالي الحاج رجلٌ عظيمٌ، لأنّه استطاع أن يجمع الشّعب الجزائري على مطلب التحرر، ولأنه ناضل وهو حريص على مقوّمات الشخصية الجزائرية بالأساليب العصرية، وإذا كان جيل الثورة على صواب فهذا لا يعني أنّه أصبح معصومًا من الأخطاء».

«العقيد شعباني» أصغر جنرال في أرجاء العـالم يتهم بمحاولة فصل الصحراء فيُعدم

«العقيد محمد شعباني» واسمه الحقيقي الطاهر شعباني، ولد في الثالث من أَيْــلُولُ (سِبْتمــبَرُ) سـنــــة 1934 في مدينة أوماش بمحافظة بسكرة بالجنوب الجزائري، تلقَّى تعليمه على يد «جمعية العلماء المسلمين» بعد تنقله إلى قسنطينة للإقامة بها، ليتكون لديه الحس السياسي ويدرك ضرورة العمل المسلح، يلتحق مبكرًا بصفوف جبهة التحرير الوطني وهو في سنّ 18 سنة، ترقى شعباني في صفوف جيش التحرير الوطني ليصبح أصغر عقيد في أرجاء العـالم سنة 1959، وتولَّى قيادة الولاية السادسة التي كانت تشمل أجزاءً واسعةً من الصحراء.

بعد الاستقلال عمل العقيد شعباني على تكوين القوات الجزائري وإعطائه أولوية هامة، وبات أبرز قادة القوات الجزائري، إذ كان له الفضل في صد الهجوم المغربي على الصحراء الجزائرية، إذ عمل جاهدًا رفقة كتيبته على صد العدوان المغربي في «حرب الرمال»، بل تمكن حتى من الدخول إلى التراب المغربي، وأمام محاولات بومدين تكوين وتقوية القوات الجزائري والاستعانة بضباط جزائريين الذين عملوا في صفوف القوات الفرنسي، ظهرت معارضة العقيد شعباني لهذا القرار من قائد الأركان بومدين، إذ رأى شعباني في ضباط فرنسا خطرًا على الشرطـــة القومي الجزائري ، لتنشأ خلافات بين العقيد شعباني وبومدين وابن بلّة ، وأمام المعارضة الشرسة لشعباني لخطوات بومدين، لم يجد الأخير سوى كيل تهمة التمرد على بن بلة والمطالبة بفصل الصحراء للعقيد شعباني؛ ليحاكم عن التهم ويتم إعدامه في الرابع من أَيْــلُولُ (سِبْتمــبَرُ) سـنــــة 1964 ودفنه في مكانٍ مجهول. ا بن بلّة في برنامج شهادة على العصر التي تبثّ على قناة الجزيرة بمسؤوليته عن إعدام شعباني.

ويرى المجاهد «علي بن فردية» الذي عمل حارسًا شخصيًا للعقيد شعباني في شهادته لجريدة «الشروق» الجزائرية، أن اغتيال شعباني مؤامرة حبكها ضباط فرنسا ونفذها بومدين، بينما يرى شقيق العقيد شعباني، «عبد الرحمان شعباني» أن السبب الرئيسي لإعدام شقيقه كان معارضته الشرسة لعملاء فرنسا وضباطها، من طرفه ركــز «أحمد زديرة» مسؤول مصلحة سابق بالناحية العسكرية الرابعة أنّ العقيد شعباني لم يكن متمردًا خــلال حرب الرمال ولم يكن مطالبًا بالانفصال كذلك اتهمه بومدين وابن بلة، والدليل أنّه تجاوز بجيشه الحدود المغربية في حرب الرمال.

ومن الإساءات التي تعرض لها العقيد شعباني قبل إعدامه ما كشفه الأمين العام لرئاسة الأركان السابق « حين أخـبر في حديثه لقناة النهار الجزائرية «وضع أحد القادة السابقين في القوات الفرنسي رجله على رأس العقيد شعباني طيلة الطريق بين الجزائر العاصمة والجلفة، مضيفًا، أن شعباني طلب من ابن شريف رشفة قهوة؛ لكن هذا الأخير قام برميها على وجهه قائلًا: هذه هدية فرنسا لك يا شعباني».

«محمد بوضياف» من مجموعة الستة التي فجرت الثورة إلى المنفى بعد الاستقلال

في 23 تُشَرِّيَــنَّ الْأَوَّلُ (أُكْتُوبــرُ) من سـنــــة 1954 اجتمع ستة رجالٍ دخلوا العاصمة الجزائر بسرية تامة، لوضع آخر اللمسات على ما سيصبح أعظم وأخطر قرار اتخذه الجزائريون في تاريخهم الحديث، كان ذلك القرار هو تفجير ثورة التحرير. كان من بين الرجال الستة «محمد بوضياف»، والذي كان له شرف الحديث أوّلًا فقال لرفاقه «إنه الاجتماع الأخير قبل اندلاع الثورة. وفيه نتفق على كل النقاط». وعرض مناقشة اسم التنظيم الذي تنطلق الثورة باسمه فتم الاتفاق على «جبهة التحرير الوطني» بالنسبة للجناح السياسي. و«جيش التحرير الوطني» بالنسبة للجناح المسلح.

Embed from Getty Images

مجموعة الستة التي فجرت الثورة الجزائرية

ولد محمد بوضياف في 23 تَمُّــوزُ (يُــولِيُوُ) سـنــــة 1919م بمدينة المسيلة بالشرق الجزائري، اشتهر بلقب «سي الطيب الوطني»، وهو اللقب الذي اصدر عليه خــلال الثورة الجزائرية، تلقى بوضياف تعليمه الابتدائي في مدرسة «شالون» في بوسعادة، ثمّ اشتغل بمصالح تحصيل الضرائب بمدينة جيجل، وخلال الحرب العالمية الثانية جنِّد في صفوف القوات الفرنسية، لينضمّ بعدها إلى صفوف حزب الشعب الجزائري ويصبح عضوًا في المنظمة السرية، وفي أواخر سـنــــة 1947 كُلف بتكوين مـجموعة تابعة للمنظمة الخاصة في قسنطينة، وفي 1950 حوكم غيابيًّا مرتين، وصدر عليه حكم بثمان سنوات سجنًا، وتعرض للسجن في فرنسا مع عدد من رفاقه، وفي سـنــــة 1953 أصبح عضوًا في حركة مكسب الحريات الديمقراطية ثم عضوًا في مجموعة الستة.

بعد اندلاع الثورة التحريرية انتخب عضوًا في مجلس الثورة في «مؤتمر الصومام»، ليعتقله الاستعمار الفرنسي مع ثلة من رفاقه بعد اعتراض طائرته في السماء، ليمكث في السجن حتى يُصدر سراحه بعد مفاوضات إيفيان سنة 1962.

Embed from Getty Images

محمد بوضياف

بعد الاستقلال نشبت خلافات حادةٌ بين بوضياف وأحمد بن بلة، وتطور الأمر إلى حد انسحاب بوضياف من جبهة التحرير في أَيْــلُولُ(سِبْتمــبَرُ) سـنــــة 1962، وتأسيس حزب معارض سماه «حزب الثورة الاشتراكية»، خلّف هذا التحدي من بوضياف بإنشاء حزبٍ معارض غضبًا لدى ابن بلة فقام باعتقاله سنة 1963، وبعد أن نجح في تسريب رسالة من سجنه إلى وسائل الإعلام الدولية تقع فيها عن معاناته داخل السجن، أفرج عنه النظام، لكن سرعان ما أُدين في قضية أخرى تستهدف زعزعة النظام وحُكم عليه بالإعدام. ليقرر بعدها بوضياف أن يختار المنفى ليتوجه إلى المغرب ويقرر حلّ حزبه والتفرغ إلى أنشطته التجارية، ليعيد القوات الجزائري بوضياف إلى الأضواء بعد مكوثه 28 سنة في المنفى بعد أن استدعاه في مطلع 1992 لرئاسة الجزائر بعد الأزمة السياسية التي فجّرها إلغاءُ القوات نتائج أول انتخابات تشريعية تعددية بعد فوز كاسح لـ«الجبهة الإسلامية للإنقاذ»، ليقتل بعدها بوضياف على الهواء، بنيران العسكري مبارك بومعرافي خــلال اجتماع سـنــــة بمدينة عنابة شرقي البلاد يوم 29 تَمُّــوزُ (يُــولِيُوُ) سـنــــة 1992،

الدبلوماسي الجزائري محمد العربي زيتوت النظام الجزائري باغتيال بوضياف بعد أن استدرج من منفاه إلى قبره.

اقرأ أيضًا: في ذكرى اغتيال محمد بوضياف: بعد ربع قرن.. من قتل الرئيس الجزائري؟

برجاء اذا اعجبك خبر من بينهم الأمير عبد القادر.. أبرز الثوريين الذين تعرضوا للتشويه في الجزائر قم بمشاركتة الخبر على مواقع التواصل الإجتماعي . يمكنك ايضا متابعة كافة الاخبار عن طريق فيسبوك وتويتر .

المصدر : ساسة بوست