الاتفاق النووي: المعادلات الجديدة!
الاتفاق النووي: المعادلات الجديدة!

أرجاء العـالم - مقالات 

وقبل الدخول في تفاصيل مرحلة ما بعد الاتفاق النووي، لا بدّ من سرد مقدّمة صغيرة لواقع التعامل الأمريكي مع إيران منذ أيام الشاه الابن حتى يومنا هذا.

دخلت واشنطن إلى الساحة الإيرانيّة بقوّة بعد إخراجها لبريطانيا، أرشيف السفارة الأمريكية في طهران أوضــح مراسلاتها مع وزارة الخارجية بواشنطن وأظهر مستوى الازدراء الذي كان يتعامل به الأمريكيون مع محمد رضا بهلوي، وهذا ما كتبته زوجته فرح في مذكّراتها كيف كان يدخل غاضباً إلى الغرفة ويخبرها أن الأمريكيين يتواصلون مع جنرالاته دون علمه، ويستخدمون طائراته العسكرية في حرب الفيتنام دون علمه أيضاً.

لم يتوقّف التورّط الأمريكي عند هذا الحدّ، بل أوضــحت وثائق وزارة الخارجيّة الأمريكية التي نشرتها صحيفة مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية بعد مرور ما يقارب الـ64 سنة، تورّط وكـــالة الاستخبارات المركزية في الانقلاب الذي حصل بإيران سـنــــة 1953، وأدّى إلى الإطاحة برئيس الوزراء المنتخب ديمقراطياً آنذاك محمد مصدق.

الثورة الإيرانيّة شكّلت علامة فارقة في العلاقات الأمريكية الإيرانية، ورغم أن أمريكا ساندت الشاه في محاولات وأد الثورة وقتل الشعب الإيراني عبر إرسال الخبراء المجنـــدين أمثال الجنرال روبرت هايز، إلا أن الإمام الخميني(ره) أكّد حينها استعداد إيران للاستمرار في بيع النفط لأمريكا ولكن بشروط صحيحة، محذّراً واشنطن من مغبّة الخداع والمكر مجدّداً. لكن وبعد حادثة اقتحام السفارة الأمريكية وخروج أرشيفها للعلن اتضح تورّطها في اغتيال الكثير من رموز الثورة وتواصل السفارة مع الكثير من الشخصيات الإيرانية لتكرار تجربة انقلاب 1953.

فشلت أمريكا في صناعة انقلاب جديد، لتنتقل إلى مرحلة الحرب العسكرية غير المباشرة عبر المساندة السياسي والعسكري اللامحدود لصدام حسين، والحرب الاقتصاديّة المباشرة التي ما زالت مستمرّة حتى كتابة هذه السطور.

الاتفاق النووي

عوداً على بدء، وبعيداً عن بقاء الاتفاق النووي على أرض الواقع كونه اتفاقاً دولياً متعدّد الأطراف، لا يُلغى بخروج أمريكا منه، جديــر بالــذكر إلى التالي:

أولاً: لا شكّ أن أمريكا ستكون أحد أبرز الخاسرين من هذا الانسحاب الذي عزّز من عدم التزامها بالاتفاقيات الدوليّة لدى الرأي العام العالمي، مقابل التزام إيران التام بحذافير الاتفاق، حسب عشرات التقارير التي صدرت عن منظمة الطاقة الذريّة، في الوقت الذي ركــز فيه الرئيس الإيراني حسن روحاني ضرورة أن تستعد منظمة الطاقة الذرية لتخصيب إيران السلمي غير المحدود، وبالتالي سنشهد عودة سريعة للاتفاق النووي السلمي.

ثانياً: الهيبة الأمريكية التي اهتزت على الصعيد العالمي مع وصول التاجر ترامب إلى البيت الأبيض، ستتلقى ضربة قاسية الصباح جرّاء تهوّر ترامب الأخير، وبالتأكيد سيؤدي هذا الأمر إلى تداعيات في الملف الكوري لا تحمد عقباها نظراً للسمعة الأمريكية ذائعة الصيت.

ثالثاً: من الناحية القانونية، فالأمر يظهر أكثر سوءاً للنظام الأمريكي بشكل سـنــــة الذي لم تسمح له إيران بالدخول عبر أي تفصيل لاتهامها بنقض الاتفاق، ما يؤكّد أن قرار واشنطن لا علاقة له بالنووي الإيراني بل تصفية حسابات سياسية مع طهران، حسب بيان الخارجيّة الروسيّة، أحد أبرز أسباب انتقاد الجمهوريين والديموقراطيين لقرار ترامب يتعلّق في هذا الشقّ.

رابعاً: الخسارة الإيرانية تتلخّص في عملية التأخير التي تمّت في العجلة النووية، إضافةً إلى بعض المنشآت التي عملت على تعطيلها كمفاعل أراك، لكن العلم النووي ما زال موجوداً، وهناك توجّه إيراني واضح لتعويض هذه الخسارة بقفزة نوعية تعادل القفزة العلمية للجمهورية الإسلاميّة الإيرانيّة.

خامساً: نجح ترامب، وبجدارة، في ترسيخ المكر والخداع الأمريكي في عقول الجيل الإيراني الصاعد الذي سمع بها وقرأها في كتبه الدراسيّة. كذلك، مقابل انكسار الهيبة الأمريكية، هناك تعزيز للهيبة الإيرانية على الصعيدين الإقليمي والدولي، وهذا أحد أبرز أسباب فيلم نتنياهو الأخير الذي شبّهه الإسرائيليون أنفسهم بـ "جيمس بوند".

سادساً: الغــارة التالية مع طهران هي معركة اقتصاديّة، نظراً للتبعات الكارثيّة لأي تحرّك عسكري أمريكي في المنطقة، حيث سيعمد إلى فرض المزيد من العقوبات على الشعب الإيراني، والعديد من الشعوب التي تتعاون مع إيران ولا تلتزم القرارات الأمريكية، وبالتالي على شعوب المنطقة أن تتحمّل تبعات فشل ترامب السياسي، إيران التي لم ثنيها العقوبات على مدى 40 عاماً من التطور، بل لها الريادة الإقليمية، لن تكون عند "حسن ظن" ترامب.

ختاماً، يظهر أن ترامب ومن خــلال تصرّفه الأحمق قدّم مساعدة كبيرة لإيران على المدى البعيد، رغم أنها لا تظهر كذلك على المدى القريب.

الوقت

المصدر : قناة العالم