«90 سنة إدريس».. موت إيه ده يايوسف اللى يحوشك عنا؟
«90 سنة إدريس».. موت إيه ده يايوسف اللى يحوشك عنا؟

حتى الموت لم يقدر على يوسف إدريس.. الكاتب الجامح الصاخب، الذى تمر على مولده ٩٠ سنة كاملة، ملأها حياة وإبداعًا ومعارك ومكاسب وخسائر، تاركًا خلفه تاريخًا من الحكى النادر، والأفكار التى لا تزال تحتفظ بنضجها وطزاجتها.

يخترق يوسف إدريس حجب الغياب، يطل علينا من قبره، يثير الجدل، كان آخره ما قام به على صفحات كتاب «ضحايا يوسف إدريس وعصره» لكاتبه الكاتب والناقد والشاعر شعبان يوسف، وهو كتاب اعتقد البعض أن شعبان هزم فيه إدريس، إلا أن الواقع يقول إن الأديب انتصر على كاتبه، وخرج من محاولة حصاره وهو يؤكد إنجازه الذى لا يزال يؤرق أجيالًا تعاقبت بعده.

يوسف إدريس ليس أديبًا ولا قاصًا ولا روائيًا، ولكنه حالة إبداعية متكاملة، أعتقد أن أحدًا لم يستطع أن يفض خزانة أسرارها بعد.

هنا، وفى «مانشيت» نحاول أن نفعل هذا.. من خــلال ملف نضعه بين يديه فى عيد ميلاده التسعين.. ويا سيدنا الذى لايزال يؤرقنا ويزعجنا ويشجينا ويمتعنا رغم موته.. طبت حيًا وميتًا.

رجاء إدريس: أحب السادات.. ورأى مبارك وطنيا.. وكره عصر عبدالناصر

فى بداية حوارها لـ«مانشيت»، أوضــحت رجاء عن قصة زواجها من الكاتب «الطبيب الحالم» حينها، موضحة أنها تزوجته فى سن الـ16 عاما، بعد قصة حب قصيرة ومختلفة مدتها ثلاثة أيام، لا تقل تفاصيلها ثراءً عن قصص «إدريس» الخالدة.
تقول رجاء إدريس: «فى الصباح الذى رأيته - وكانت صدفة - قررت أن أفسخ خطوبتى، بعد أن تملكنى شعور أننى سأكون زوجة هذا الشاب.. يوسف إدريس»، وتضيف: «فى نفس الصباح، طلب إدريس خطوبتى، فقالوا له إننى مخطوبة بالفعل، وبعد أن فسخت الخطوبة، جاء ووالدته ليخطبنى، وتحولت الخطوبة إلى عقد قران».

تضحك رجاء وكأنها تستعيد تلك اللحظات الجميلة مرة أخرى، ثم تروى: «ثلاثة أيام هى فترة تعارفنا وزواجنا، وإِخْتَتَمَت تعليمى بعد الزواج، وقررت أن تكون دراستى فى معهد التذوق الفنى، حتى أكون أكثر قربًا لعالم إدريس الإبداعى، وحتى لا أكون منفصلة عن أدق تفاصيله، لذا أصبحت أول من يقرأ أعماله الإبداعية، وصرت جزءًا من حالته فى الكتابة». وإلى نص الحوار:

■ ما هى طقوس «فارس القصة» فى الكتابة؟

- كان يجلس كثيرا ليقرأ لى بعض ما كتب، وكنت أجلس إلى جواره حتى يبدأ فى الكتابة، وعندما يندمج، كنت أخرج تاركة إياه بين شخصياته وقلمه.

■ ماذا عن الأبطال الحقيقيين لقصص يوسف إدريس؟

- معظم شخصيات يوسف كانت نابعة من خياله، فقد عاش فى الريف فترة طويلة، وكان للريف دور كبير فى تشكيل وعيه الإبداعى ورسم شخصياته، وقد يكون صادف بعض هذه الشخصيات فى حياته، خاصة لأنه كان يذهب سيرا إلى مدرسته، التى كانت تبعد 6 كيلومترات من بيته، وطول هذة المسافة كان يحاكى إدريس شخصيات قصصه، لذا قد تكون هناك شخصيات عالقة بذهنه، وتحولت لأبطال فى قصصه، ولا أعرف شخصية بعينها كتب عنها».

■ ما هى الشخصية الأقرب إلى قلبك من بين شخصيات إدريس؟

- «سامح»، الطفل الصغير بطل قصة «لعبة البيت»، وهى أقرب القصص إلى قلبى، وباسمه سمّيت ابنى الأول، ولكن للأمانة فإن هذه القصة لم تكن أجود ما قدم إدريس، فقد كتب بعد ذلك نصوصا أكثر نضجا.

■ كيف كانت الحياة العاطفية لـ«إدريس»؟

- كان يوسف عاطفيا جدا فى حياته العائلية، على عكس ما يصدّره خارج البيت من كونه ثائرا، فعندما أصيب ابنى «بهاء» فى حادث سير ووصل الخبر إلينا، فكانت أول أزمة قلبية ليوسف، وقبل أن ننقل بهاء إلى مستشفى كان يوسف قد سبقه.

والمرة الثانية التى شاهدت فيها يوسف ضعيفا وبدت عاطفيته جلية، عندما كان ابنى الأكبر «سامح» فى بغداد وتم حبسه هناك، فبمجرد أن سمع يوسف الخبر، انهار تماما ورقد فى سريره.

وعندما عرف العراقيون أنه ابن يوسف إدريس، هربوه إلى الكويت، ومنها إلى مصر، وذلك دون أى تأشيرات سفر.

■ ماذا عن علاقته بالأنظمة السياسية والرؤساء؟

- كان يحب الرئيس السادات جدا، وكان يرى حسنى مبارك وطنيا، أما فى فترة عبدالناصر فكان يرى الوضع بوليسيا، وكانت فترة غير مريحة وقلقة من وجهة نظره، رغم أنها كانت فترة ازدهار ثقافى وصعود لكل المبدعين.

■ كيف كانت ردود أفعاله حينما تشعرين بالغيرة عليه؟

- كان يوسف «دونجوان زمانه»، ولكن فى الحقيقة لم تصبنى الغيرة عليه أبدا، فقد كنت متفهمة تماما طبيعة عمله، وواقع أن يكون للمبدع جمهور حقيقى من معجبين ومعجبات يلتفون حوله، زيادة على أنه لم يترك لى فـــــرصة للغيرة، فقد شغل حياتى بحب صادق، وكنت أرى أنه ثمن كبيرة، وكنت مستمتعة بحياتى معه، فقد كان مبدعا فى حديثه على سبيل المثال كتاباته.

■ متى بكى يوسف إدريس؟

- كانت «دمعته قريبة»، ولم يكن يمنع نفسه من البكاء، كان حياته قصة لا تقل جمالا عن كتابته، وكان صادقا فى كل انفعال له.

دخل السياسة بـ «علقة».. رفض الإخوان.. وزملاؤه ظنوه عميلًا للأمن

يروى الكاتب الصحفى محمد الشافعى فى كتابه «وجوه وأقنعة» تفاصيل علاقة الفتى «يوسف إدريس» بالسياسة، وكيف بدأت.

يقول «الشافعى» فى كتابه: «الغريب أن علاقة يوسف إدريس بالسياسة بدأت بـ«علقة سخنة» فى سـنــــة 1936، حيث تصارع أنصار حزبى الوفد ومصر الفتاة، فى مظاهرة حاشدة أمام مدرسة الطفل يوسف، فتسلق باب المدرسة واستغرق تماما فى الفرجة على المظاهرة، التى سمع فيها لأول مرة اسم مصر، فلم يكن يعرف إلا قريته، ومركز فاقوس، ومحافظة الزقازيق.. فماذا تكون مصر هذه؟».

ويكمل الشافعى فى كتابه: «المهم أن كل التلاميذ وقفوا فى الطابور والطفل يوسف مستغرق تماما فى الفرجة على المظاهرة، فما كان من رئيس المدرسة التركى إلا أن أمر الفرّاش بإنزال هذا الطفل، وإحضاره فورا، ثم ضربة 36 عصاية أمام كل المدرسة».

ويضيف الشافعى: «وفى دمياط، تعرف على الشيخ حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان، ثم اقترب من حزب الوفد، ولكنه لم يجد نفسه مع الإخوان لأنه كذلك أخـبر بينما بعد: «يعود هذا إلى تطرفى الوطنى»، كذلك لم يجد نفسه مع الوفد، وفى الجامعة وجد نفسه مع اليسار».

ويلفت الشافعى فى كتابه إلى أن: «الطريف أيضا أن معظم اليساريين فى كلية الطب، كانوا يعتقدون أن إدريس كان عميلا للأمن، وذلك لأنه كان شديد الحماس فى خطبه ومظاهراته، ولكن الصدفة أوضــحت الحقيقة، إذ اختبأ الزعيم الشيوعى كمال عبدالحليم، فى منزل يوسف إدريس لمدة شهر كامل، وعندما علم الجميع الأمر، عرفوا قدر وطنيته»

الفارس: أنا أحق بـ«نوبل» من نجيب محفوظ

يكشف كتاب «ضحايا يوسف إدريس وعصره» للشاعر والناقد شعبان يوسف، عن اعتراف إدريس بأنه جنى على بعض كتاب القصة القصيرة فى جيله، وقد جاءت هذه الإشارة فى مضمار تعقيبه على تجربة الكاتب المعاصر له «فتحى غانم»، إذ يقول إدريس: «أنا سعيد لأن فتحى غانم يكتب رواية الآن، لأن فى رأيى أن غانم ظُلم كثيرا فى عهد نجيب محفوظ، مع أنه لا يقل جودة عن نجيب، وفى رأيى أنه أحيانا يجنى ظهور كاتب على كاتب، ولا شك أن وجودى جنى على بعض كتاب القصة القصيرة».

ويسرد الكتاب أن إدريس كان يرى فى نفسه الكاتب العربى الأول والأقرب للجائزة، وأكبر دليل على ذلك تصريحاته عندما ذهبت الجائزة للكاتب الكبير نجيب محفوظ، حيث ثار إدريس وغضب، وصرح للإعلام بأنه أجدر بالجائزة من غيره، وأوضــح إدريس حينها فى تصريحاته عن أن «لجنة نوبل» قد وعدته بالجائزة، مؤكدا أنهم تحدثوا معه. ويلفت الكتاب إلى أن «أشكال الطعن هذه ظلت تتوالى من قبل إدريس، بأشكال معلنة ومستترة، حتى جاءت نوبل، فدفعت إدريس حينها لتمزيق نجيب محفوظ بشكل معلن، وجعلته يفصح فى كل الصحف والمجلات بأن الجائزة من حقه».

حوصر لرفض جائزة مشبوهة.. فأهداه ناصر قيمتها

يشير الكاتب شعبان يوسف إلى واقعة تحصل يوسف إدريس على جائزة مجلة «حوار» اللبنانية، وكذا جائزة صدام حسين، مؤكدا أن للجائزتين حكايات مثيرة، «الحكاية الأولى أن الأدباء والكتاب أثاروا لغطا كبيرا حول الجائزة عندما مُنحت لإدريس، إذ اكتشفوا أنها جائزة مشبوهة، وحوصر يوسف حين ذلك لإجباره على رفض الجائزة، بعد أن هبت عاصفة من الرفض والإدانة، للجائزة الممولة من المنظمة العالمية لحرية الثقافة، والتى اتضح أن تمويلها من الحلف الأطلنطى».

ويتابع الكاتب: «وهنا شعر إدريس بأنه لا بد من أن يتخذ موقفا تجاه ذلك، حتى لا يكون محل انتقاد دائم من قبل المثقفين. وبحسب كتاب فاروق عبدالقادر «البحث عن اليقين المراوغ»: «فقبل أن يحسم يوسف إدريس موقفه من الجائزة، استدعاه مكتب الرئيس عبدالناصر، وأبلغه أحد موظفى الرئاسة، سامى شرف، تقدير الرئيس لموقفه، وسلمه مظروفا يحوى ثمن الجائزة، التى كان قدرها عشرة آلاف ليرة لبنانية، وتسلم إدريس ألفين وخمسمائة جنيه مصرى، وكان هذا المبلغ يوازى مبلغ الجائزة، إن لم يزد قليلا». وأما عن جائزة صدام حسين، فيقول الكاتب شعبان يوسف: «كانت قصتها أكثر من مثيرة، فعندما منحته اللجنة فى بغداد الجائزة مناصفة، بينه وبين الكاتب جبرا إبراهيم جبرا، غضب يوسف إدريس غضبا كبيرا، وأرسل إلى صدام حسين خطابا يراجعه خلاله فى مسألة المناصفة، وبالفعل تم منح إدريس الجائزة كاملة دون مناصفة».

ويكمل الكتاب: «وعندما غزا صدام الكويت، صدرت أصوات من هنا وهناك تطالب يوسف إدريس برد الجائزة، وهنا رفض إدريس ذلك المطلب رفضا كاملا، وأخـبر إنه سيفعل ذلك لو أن الجائزة سترد الحاكم وتجعله يتخلى عن حماقته، ولكنه يعلم تماما أن ذلك لن يقع.

صدّام دعاه لـ «إحتفال إعدام جماعى».. وعشق «لحمة الراس»

يقول الروائى العراقى محمد حياوى: «من بين الكتّاب العرب القلائل الذين تأثرت بهم مطلع حياتى الأدبية كان الكاتب الكبير المفقود يوسف إدريس، أذكر أننى كنتُ مهووسا بأسلوبه الرشيق وجرأة موضوعاته واقتحامه التابوهات، لا سيما فى أعماله العظيمة على سبيل المثال لغة الآى آى، والندّاهة، وبيت من لحم، والحرام، والعيب، وغيرها، وأزعم أنَّنى قد قرأت له جل أعماله التى وصلت العراق آنذاك بتأثر شديد، لاسيما القِصصيَّة منها».

ويتابع حياوى: «وقد جرت العادة على تخصيص أديب شاب لكل زائر من الضيوف الكبار، فاستقتلت من أجل أن أكون مرافقا ليوسف إدريس، وكان لى ذلك فى نهاية المطاف، فالتقيته لأوّل مرّة فى مكان إقامته فى فندق المنصور ميليا، فى جانب الكرخ، وكنت متحرجًا ومترددًا، لكنَّنى فوجئت ببساطته وحلاوة روحه وميله للنكتة والسخرية من الواقع المؤلم الذى كان يحيط بنا». ويضيف حياوى: «كنا نقضى الوقت بالتسكع فى أزقة بغداد العباسية القديمة وتناول الأطعمة البسيطة، لا سيما لحمة الرأس التى نطلق عليها فى العراق «الباجة» بتفخيم الباء. ويقول حياوى: «كان إدريس وقتها من أشدّ المعارضين لاتفاقيات كامب ديفيد، وهو الأمر الذى جعله يحظى بمكانة كبيرة لدى النظام فى العراق وصدام حسين تحديدا، ويسرد الكاتب العراقى: «كنا نضحك كثيرا فى الواقع بعد أن أزال كل الحواجز بيننا، وكان يحدّثنى عن الرعب الذى أصابه وكيف أنَّه كاد يموت من الخوف فى زيارته الأولى للعراق عندما دعاه صدام حسين لحفلة إعدام جماعى، وكنت مأسورا بحضوره وقدرته الفذّة على إدارة النقاش والتنقل من موضوعات السياسة إلى عوالم العاهرات، وعندما كان يقرأ علامات الحيرة على ملامحى يتمثل الجدّية فجأة ويهمس لى: «ما تيجى ناكلو باجا يا محمد».

مؤلف «حكاية يوسف إدريس»: كان «طاووسى النزعة»

ويقول القاص والروائى عمرو العادلى: كتبت مجموعة سـنــــة 2012 باسم «حكاية يوسف إدريس»، وذلك لما أكنه لفارس القصة القصيرة من تقدير على المستوى الإبداعى، أما شخصيته فقد كانت أيضا مختلفة، كان «طاووسى النزعة، معتدا بنفسه إلى أبعد حد».

ويروى العادلى: «أما عن القصة التى تحمل اسم المجموعة حكاية يوسف إدريس، فقد كان البطل فيها يوسف إدريس نفسه، وقد اخترت الفترة التى كان الهاجس الإبداعى يتردد بداخله».

وفسر العادلى أن النقاد اتهموه فى مرحلة من حياته بأن معينه قد نضب، وأنه لن يبدع بعد الصباح شيئا، وقد اخترت هذه اللحظة الحرجة فى حياته الحقيقية لأعبر عنها قصصيا، وقد كان لسان يوسف إدريس فى القصة يقول: «ها أنا ذا لا أزال مبدعا كبيرا مهما قلتم عنى»، وحاول أن تظل شرارة إبداعه متقدة بداخله، فظل يؤلف بدايات للقصص ويشطبها حتى سقطت عليه بداية قصة «بيت من لحم»، وكانت هذه نهاية القصة.

المصدر : الدستور