كيف هرب اللاعبون الجزائريون من فرنسا للالتحاق بالثورة قبل 60 عاما
كيف هرب اللاعبون الجزائريون من فرنسا للالتحاق بالثورة قبل 60 عاما

يوم 12 حُــزَيرَانُ/ يُــونِيُوُ من سـنــــة 1998 كانت الساحرة المستديرة الفرنسية على موعد مع التاريخ. فقد انتصر المنتخب الفرنسي بكأس أرجاء العـالم لأول مرة في تاريخه. وكانت فرحة الفرنسيين عارمة وهم يحتفلون بفوز منتخبهم على البرازيل بثلاثة أهداف لصفر.

ولا أحد ينكر أن ذلك الربـــح التاريخي، الأول والوحيد حتى الآن، للمنتخب الفرنسي صنعه أسطورة الكرة الفرنسية الجزائري الأصل، زين الدين زيدان، الذي حقق هدفين في المباراة النهائية.

لكن قبل ستين عاما، في سـنــــة 1958، كان النـــــــادي الفرنسي من أقوى المرشحين للفوز بكأس أرجاء العـالم في السويد، وكان يشمل لاعبين بارزين على سبيل المثال ريمون كوبا، وجوست فونتين، وروجي بيونتيني، لكنه لعب مباراة نصف النهائي أمام البرازيل منقوصا من أبرز لاعبيه.

وانهزم الفرنسيون أمام البرازيل بخمسة أهداف مقابل هدفين.

كان المدرب، بول نيكولا، استدعى لتشكيلة المنتخب الفرنسي أربعة لاعبين جزائريين هم: نجم نادي سانت إيتيان، رشيد مخلوفي، وصخرة دفاع نادي موناكو، مصطفى زيتوني، زيادة على عبد العزيز بن تيفوز مهاجم موناكو أيضا، ومحمد معوش، مهاجم نادي ريمس.

وقبل شهرين من موعد السفر إلى السويد، مع المنتخب الفرنسي، اختفى اللاعبون الجزائريون الأربعة، ومعهم 30 لاعبا غيــرهم ينشطون في الــــدوري الفرنسي الأول. هربوا على دفعات من المدن الفرنسية التي كانوا يلعبون في فرقها عبر حدود البــلدان المجاورة، ليجتمعوا كلهم في تونس.

كانت الخطة من تدبير جبهة التحرير الوطني، التي كانت تقود حربا في الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي منذ أول تُشَرِّيَــنَّ الثَّانِي/ أُكْتُوبــرُ 1954.

وكانت جبهة التحرير الجزائرية منتشرة في فرنسا أيضا، وكانت لها مـجموعات تجمع اشتراكات من اللاعبين الجزائريين لدعم الثورة المسلحة، بنسبة 15 في المئة من رواتبهم.

وقررت قيادات الجبهة أن تشكل فريقا يمثل الجزائر في المنافسات الكروية الدولية. وكلفت لاعبا محترفا معروفا في الــــدوري الفرنسي هو محمد بومزراق بجمع اللاعبين الجزائريين في فرنسا، وترحيلهم إلى تونس، من أجل تشكيل نادي جبهة التحرير.

كان بومزراق، وهو يتواصل باللاعبين الجزائريين لإقناعهم بالرحيل عن فرنسا، وتشكيل نادي جبهة التحرير، يتذكر مباراة خيرية تاريخية جمعت في سـنــــة 1954 بين المنتخب الفرنسي ومنتخب عن شمال أفريقيا، بهدف جمع التبرعات لضحايا زلزال مدمر ضرب منطقة الأصنام (الشلف حاليا)، قتل فيه أكثر من 1400 شخص.

عنما لعبت الجزائر وتونس والمغرب في نادي واحد

ضم نادي شمال أفريقيا أبرز اللاعبين الجزائريين في الــــدوري الفرنسي الأول من بينهم عبد الرحمن بوبكر، ومصطفى زيتوني، ومختار عريبي، وعبد العزيز بن تيفور، والأسطورة المغربي العربي بن مبارك، الذي عاد إلى أولمبيك مرسيليا من أتليتيكو مدريد، وزملاءه عبد الرحمن محجوب ومحمد عبد الرزاق، وسالم بن ميلود ومن تونس قاسم حسونة.

وكان المنتخب الفرنسي تخت قيادة، ريموا جونكي، في الدفاع وريمون كوبا في الهجوم. وعلى الرغم من أن المباراة لم تكن رسمية، فإن الصحف الفرنسية أولتها اهتماما. ولم تتوان التعليقات في التكهن بفوز ساحق لنجوم المنتخب الفرنسي أمام لاعبين "لا تجمع بينهم إلا اللغة العربية" كذلك كتب أحد الصحفيين الفرنسيين، تخت قيادة "اللاعب المشهور عمره 37 عاما"، مشيرا إلى بن مبارك، الذي كان في آخر مشواه الكروي.

لكن مجريات اللعب كانت مختلفة تماما على الميدان. فلم تمض 25 دقيقة حتى فتح عبد الرزاق باب التسجيل لفريق شمال أفريقيا، ثم عمق بن مبارك الفارق بهدف ثان، قبل أن يحقق المنتخب الفرنسي هدفه الأول، ولكن عبد الرزاق عاد مرة أخرى ليسجل الهدف الثالث.

وسجل المنتخب الفرنسي بعدها هدفا ثانيا من ضربة جزاء في الدقائق الأخيرة من المباراة، التي انتهت بفوز شمال أفريقيا على المنتخب الفرنسي بثلاثة أهداف لهدفين.

لم تكن تلك المباراة الوحيدة التي انهزم فيها المنتخب الفرنسي أمام نادي من شمال أفريقيا، ولكنها الأشهر على الإطلاق، ربما لأنها اقترنت بأحداث تاريخية حاسمة. فقد جرت في السابع من تُشَرِّيَــنَّ الْأَوَّلُ/ أُكْتُوبــرُ 1954، وبعد أقل من شهر، أي في أول تُشَرِّيَــنَّ الثَّانِي/ نُــوفَمبرُ اندلعت الثورة المسلحة في الجزائر.

اختفاء اللاعبين الجزائريين

قبل يومين من مباراة ودية تحضيرية لمونديال 1958، جمعت بين المنتخب الفرنسي والمنتخب السويسري، كان يفترض أن يشارك فيها زيتوني في الدفاع ومخلوفي في منصب رقم 10، اختفى تسعة لاعبين جزائريين فجأة. لقد هربوا كلهم من فرنسا عبر الحدود السويسرية والإيطالية باتجاه تونس.

ورغم تحريات الشرطة ونقاط التفتيش المنتشرة على الحدود، تمكنت مجموعات أخرى من اللحاق بهم في مكان تجمع أول منتخب جزائري لكرة القدم، تحت إشراف المدرب الشاب وقتها، مختار عريبي، الذي كان يدرب نادي أفينيون الفرنسي.

وقد اعتقلت الشرطة لاعبين اثنين هما: حسان شاربي ومحمد معوش وهما يحاولان الهروب، وسجنا عاما كاملا، ليلتحقا بعدها بزملائهما في تونس.

وأذهل خبر هروب اللاعبين الجزائريين السلطات الفرنسية بعد انتشاره الواسع في وسائل الإعلام. وتحدثت صحيفة ليكيب الرياضية ومجلة باري ماتش مطولا عن هذا الهروب الجماعي المفاجئ، وعن غياب مصطفى زيتوني عن دفاع المنتخب الفرنسي، واختفاء رشيد مخلوفي النجم الصاعد للكرة الفرنسية.

كأس أرجاء العـالم أم الثورة

كان أمام مخلوفي، وعمره وقتها 22 عاما، مستقبل كروي زاهر. وكانت نهائيات كأس أرجاء العـالم مع المنتخب الفرنسي ستفتح له طريق العالمية والمجد، فقد كان وقتها، بوصف النقاد الأكثر صرامة، نجم الكرة الفرنسية الصاعد ليأخذ مكانة ريمون كوبا وجوست فونتين في المنتخب الأزرق.

وكان بومزراق، المشرف على عملية الهروب، مترددا في الاتصال بمخلوفي بادئ الأمر، ذلك لأنه كان مجندا في القوات الفرنسي وقتها، وقد انتصر بكأس أرجاء العـالم العسكرية مع المنتخب الفرنسي.

ولكن نجم سانت إيتيان أخـبر لاحقا: "لم أتردد لحظة واحدة في تلبية النداء فأغلبية الفرنسيين لم يكونوا على علم بما يتم في الجزائر. وبعد التحاقنا بجبهة التحرير تبينت لهم حقيقة الأمر وخطورته".

ويروي كتاب تاريخ الساحرة المستديرة الجزائرية أن نجم المنتخب الفرنسي، ريمون كوبا، بعث بطاقة تهنئة لصديقه زيتوني من مركز تدريب المنتخب الفرنسي في السويد سـنــــة إلى 1958 إلى تونس".

ينحدر مخلوفي من مدينة سطيف شرقي الجزائر. وهي المدينة التي شهدت أحداث 8 ماي 1945 التاريخية، عندما خرج الجزائريون احتفالا بنهاية الحرب العالمية الثانية، التي شاركوا فيها، في صفوف القوات الفرنسي، مطالبين بحقهم في تقرير المصير، فقابلتهم أجهزة الشرطـــة الفرنسية والجيش بالرصاص الحي.

حفرت مجازر 8 ماي 1945، التي قتل فيها عشرات الآلاف من الجزائريين المدنيين، ندوبا لا تمحى في ذاكرة مخلوفي الطفل، الذي كان عمره تسع سنوات، فلم يتردد، كذلك أخـبر، لحظة واحدة في الالتحاق بالثورة مضحيا بأمجاد الكرة وشهرتها التي كانت تحت قدميه.

"أحسن نادي في أرجاء العـالم"

وكان قلب دفاع نادي موناكو، مصطفى زيتوني، لاعبا أساسيا في المنتخب الفرنسي، وساهم في تأهله إلى نهائيات كأس أرجاء العـالم 1958 في السويد.

أدى زيتوني مباريات متميزة وأظهر مهارات رائعة في دفاع المنتخب الفرنسي، وهو يلعب تصفيات كأس أرجاء العـالم في المجموعة الأوروبية الثانية، أمام بلجيكا ثم المجر وانجلترا. ولكن مباراته الأخيرة مع المنتخب الفرنسي، قبل الهروب الجماعي، فكانت هي الأروع في رأي النقاد وفي رأي زملائه.

جرت المباراة في شهر آذَار/ مَــارَسَ 1958 في ملعب حديقة الأمراء بباريس أمام المنتخب الإسباني. وكان زيتوني مكلفا بمراقبة الفائز بالكرة الذهبية لأحسن اللاعب المشهور في أرجاء العـالم، ألفريدو دي ستيفانو، فتمكن من شل حركته تماما طوال المباراة، ولم يترك له فـــــرصة واحدة للتحرك.

وكان رئيس ريال مدريد التاريخي، سانتياغو برنابيو، الذي يحمل ملعب النـــــــادي الملكي اسمه الصباح، في المدرجات. ولشدة انبهاره بلاعب المنتخب الفرنسي رقم 5 تقدم نحوه في نهاية المباراة، وعرض عليه الانضمام إلى فريقه، قائلا "لابد أن تلعب في أحسن نادي في أرجاء العـالم، إنه ريال مدريد، هل نوقع العقد؟".

فرد عليه زيتوني: "أشكرك على العرض، ولكنني سألعب قريبا في "أحسن نادي في أرجاء العـالم". كانت تلك آخر مباراة يلعبها زيتوني مع المنتخب الفرنسي، وكان قد أعطى وعدا لزملائه بالهروب من فرنسا إلى تونس لتشكيل نادي جبهة التحرير.

حصار وحظر من الفيفا

تصدر هروب اللاعبين الجزائريين عناوين الصحف الفرنسية الصادرة يوم 15 أبريل/ نَيْسَــانَ 1958، وخصصت مجلة باري ماتش تقريرا واسعا عن مصطفى زيتوني، وتأثير غيابه على المنتخب الفرنسي في نهائيات كأس أرجاء العـالم في السويد.

وكتبت صحيفة ليكيب الرياضية "اختفاء تسعة لاعبين جزائريين"، ولكنهم كانوا في الواقع عشرة في المجموعة الأولى وهم: رشيد مخلوفي (سانت إيتيان)، مصطفى زيتوني، وعبد الحمن بوبكر، وعبد العزيز بن تيفور، وقدور بخلوفي (موناكو)، ومحمد معوش (ريمس)، وعمار رويعي (أنجي)، وعبد الحميد بوشوك وسعيد براهيمي (تولوز)، وعبد الحميد كرمالي (ليون). ثم التحقت بهم مجموعة من اللاعبين في 1959 وأخرى سـنــــة 1960.

وسارع الاتحاد الفرنسي لكرة القدم إلى منح شكوى للاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا يطالب فيها بمنع هؤلاء اللاعبين من ممارسة الساحرة المستديرة في أي نادي، وفسخ عقودهم مع الفرق الفرنسية التي كانوا يلعبون فيها، ومنع نادي جبهة التحرير من المشاركة في أي منافسة دولية.

وقد تفاعلت كل الاتحادات في البــلدان الغربية إيجابيا مع الشكوى الفرنسية. وهدد الفيفا أي دولة تستقبل هذا النـــــــادي الذي "ليست له سيادة" بالعقوبة. ولكن دولا أخرى تحدت الحظر واستقبلت نادي جبهة التحرير، ونظمت له مباريات فاق عددها التسعين، حتى الاعتراف الدولي بالجزائر المستقلة سـنــــة 1962 واعتماد فريقها الوطني من قبل الفيفا سـنــــة 1963.

وانطلق نادي جبهة التحرير الجزائرية في مسيرة طويلة، وسلسلة من المباريات في دول أفريقيا وآسيا، يلبس لاعبوه ألوان العلم الجزائري، لتكتشف المعجبيـن النشيد الوطني الجزائري "قسما" في بداية المباريات.

كانت المباراة الأولى التي خاضها زملاء زيتوني ومخلوفي أمام نادي تونس القوي، الذي كان وصل قبل سـنــــة إلى نهائي منافسة الساحرة المستديرة في الألعاب العربية في بيروت. وكانت النتيجة مفاجئة للجميع، ثمانية أهداف مقابل صفر لصالح النـــــــادي الأخضر.

واستمر نادي "الثورة الجزائرية" مسيرته إلى هانوي وبلغراد وصوفيا وبوخاريست وبكين وبغداد، أبهر فيها المعجبيـن بفنيات لاعبيه العالية وبرسالة فريقهم القوية إلى أرجاء العـالم

وكانت أقوى نتيجة حققها نادي جبهة التحرير ربما هي فوزه بستة أهداف مقابل هدف واحد على منتخب يوغوسلافيا سابقا، الذي كان من أقوى المنتخبات في أرجاء العـالم.

وفي فيتنام استقبل الرئيس هو شي مينه اللاعبين وهيئة التدريب كذلك استقبلهم رئيس وزراء الصين شو إن لاي في بكين.

زيادة العلم الجزائري في بغداد

ورفع العلم الجزائري لأول مرة قبل مباريات الساحرة المستديرة في العراق. وارتفع النشيد الوطني "قسما" لأول مرة أيضا قبل المباراة، التي أقيمت في شُبَـــاطُ/ فِـــبْرَايرُ 1959 في بغداد. ودعي السفير الفرنسي للحضور ولكنه غادر قبل بداية المباراة احتجاجا على وجود نادي جبهة التحرير.

وقد استقبل المعجبين العراقي اللاعبين الجزائريين استقبال الأبطال، كذلك في وقت سابق اللاعب العراقي، في الخمسينات، إديسون إيشايا، ويقول "لعبنا في أحسن مستوياتنا ولكننا لم نستطع مع ذلك الصمود أمام اللاعبين الجزائريين الذين كانوا نجوما في الــــدوري الفرنسي الأول"، وانتهت المباراة بثلاثة أهداف مقابل صفر.

وبعد انتهاء حرب التحرير سـنــــة 1962 عاد كبار اللاعبين على سبيل المثال بوشوك، وبن تيفور وزيتوني وبخلوفي وبوبكر إلى الجزائر لاعبين في النوادي الجزائرية أو مدربين فيها.

أما اللاعبون الأصغر سنا على سبيل المثال أحمد وجاني وعبد الرحمن سوكان فالتحقوا بالفرق الفرنسية التي كانوا يلعبون فيها، بعدما زيادة عنهم الاتحاد الفرنسي لكرة القدم الحظر.

وانضم مخلوفي إلى نادي سرفييت جنيف السويسري ومعوش إلى نادي مونتينني في سويسرا أيضا. ولكن مخلوفي عادة مرة أخرى إلى سانت إيتيان قائدا وفاز معه بالدوري الفرنسي للمرة الثانية سـنــــة 1964، وبلقبي الــــدوري والكأس سـنــــة 1968. وكان أهدى فريقه لقب الــــدوري الأول سـنــــة 1957.

واستفادت الساحرة المستديرة الجزائرية من هؤلاء اللاعبين بعد اعتزالهم اللعب. فكان رشيد مخلوفي في هيئة التدريب التي قادت المنتخب الجزائري إلى نهائيات كأس أرجاء العـالم 1982 في إسبانيا لأول مرة، وفازت حينها الجزائر على ألمانيا الغربية سابقا بهدفين لهدف واحد في مباراة لا تزال عالقة أذهان الجزائريين.

وفاز المنتخب الجزائري سـنــــة 1990 بكأس أمم أفريقيا لأول مرة أيضا تخت قيادة المدرب عبد الحميد كرمالي، الذي كان أيضا من لاعبي نادي جبهة التحرير بعد مشوار احترافي متميز في نادي ليون الفرنسي.

المصدر : بي بي سي BBC Arabic