عين على الاقتصاد.. تضارب بين آفاق القيادة الشابة ونزيف الجامعة
عين على الاقتصاد.. تضارب بين آفاق القيادة الشابة ونزيف الجامعة

استرعى انتباهنا صدور ورقتين متزامنتين عن مصدرين شديدي الإختلاف ولا يربط بينهما رابط مباشر ولكن كلتاهما تتحدث بطريقة ما عن الشباب التونسي الواعد ليس فقط بما يحمل من شهادات ولكن أيضا بما يحمل من وعود ما زال أغلبها في علم الغيب.
الورقة الأولى تتّبع خطى تقاليد للتصنيف النمطي في البلدان المتقدمة حيث تصدر بصفة دورية لائحات عن الفاعلين المرموقين، وحتى الواعدين، في شتى الميادين. والحقيقة أنها تلاقي صدى واسعا في تلك البلاد وتضع في الصدارة من هم غلبا في الطريق إلى تلك الصدارة. أما في تونس فهذه المبادرة عن مائة قيادة شابة، وإن كنا طبعا نرحّب بها، ستكشف لا محالة حجم التقصير الذي يعاني منه ذلك الشباب الواعد بالذات بعد سنين وسنين من الإصرار على عدم رؤية الأشياء كذلك يراها هو والتمسك بنظرة للأشياء عفا عليها الزمن.
فللوهلة الأولى تظهر هناك وعود كثيرة وراء اعتزام معهد الدراسات الإستراتيجية إطلاق بادرة وطنية هي الأولى من نوعها لاختيار 100 قيادة شابة من مشارب مختلفة لإبراز تونس كولاّدة لنماذج مبدعة ومتميزة لشباب قادر على القيادة، وأكثر من ذلك، جديرا بأن يكون سفيرا للبلاد وباعثا لرسائل إشعاع على أرجاء العـالم وفاتحا الطريق لشباب آخر لا زال يتحسس خطاه. ولكن النظر في العمق إلى واقع ذلك الشباب يرغمنا على القول أننا سنظلّ في حالة الوعد لا نتخطاها إلا في مواضع نادرة. هذا ما يقع الصباح وهذا ما سيحدث غدا وبعد غد والتاريخ الاقتصادي للعشرات من السنين المــنصرمة حجّة دامغة على الأمر.
ولكن ليس هذا فقط ما يمكن أن يشغل البال، ففي نفس الوقت أقدم المرصد التونسي للإقتصاد للتو على التحذير من ظاهرة خطيرة يظهر أنها مرت أمام الجميع دون أن يلاحظ أحد، وتهمّ الظاهرة انخفاض عدد خريجي الجامعات الخاصة والحكومية بنسبة 25% بين سنتي 2010 و 2016 وقد اصدر المرصد بالمناسبة جملة من التساؤلات تشير إلى وضعية شديدة التعقيد: هل يعتبر هذا النزيف ثمرة «سياسة التوظيف» التي تهدف إلى تكييف التعليم العالي مع سوق الشغل ومع اقتصاد ذو ثمن مضافة شبه منعدمة تعتبر من أدنى درجات القيم المضافة في أرجاء العـالم؟ أم هو نتيجة هجرة مكثفة للطلاب إلى الخارج؟ أم أنه نتيجة نبذ للدراسة من طرف الطلاب لاعتبارها طريقا بدون آفاق؟
وكل هذا يجدي بأنك إذا أردت أن يمتدّ فرع شجرتك إلى السماء فلا بدّ لك أن تشتغل على تثبيت أصلها في عمق الأرض، فترعاها وتسقيها وتحفظها ولا تدّخر جهدا في الأسمدة... وإلا فستسلك أكثر الطرق وعورة: طريق التناقض والقول الذي لا يلازمه فعل والأحلام الوردية وملاحقة السراب.

مريم عمر

استرعى انتباهنا صدور ورقتين متزامنتين عن مصدرين شديدي الإختلاف ولا يربط بينهما رابط مباشر ولكن كلتاهما تتحدث بطريقة ما عن الشباب التونسي الواعد ليس فقط بما يحمل من شهادات ولكن أيضا بما يحمل من وعود ما زال أغلبها في علم الغيب.
الورقة الأولى تتّبع خطى تقاليد للتصنيف النمطي في البلدان المتقدمة حيث تصدر بصفة دورية لائحات عن الفاعلين المرموقين، وحتى الواعدين، في شتى الميادين. والحقيقة أنها تلاقي صدى واسعا في تلك البلاد وتضع في الصدارة من هم غلبا في الطريق إلى تلك الصدارة. أما في تونس فهذه المبادرة عن مائة قيادة شابة، وإن كنا طبعا نرحّب بها، ستكشف لا محالة حجم التقصير الذي يعاني منه ذلك الشباب الواعد بالذات بعد سنين وسنين من الإصرار على عدم رؤية الأشياء كذلك يراها هو والتمسك بنظرة للأشياء عفا عليها الزمن.
فللوهلة الأولى تظهر هناك وعود كثيرة وراء اعتزام معهد الدراسات الإستراتيجية إطلاق بادرة وطنية هي الأولى من نوعها لاختيار 100 قيادة شابة من مشارب مختلفة لإبراز تونس كولاّدة لنماذج مبدعة ومتميزة لشباب قادر على القيادة، وأكثر من ذلك، جديرا بأن يكون سفيرا للبلاد وباعثا لرسائل إشعاع على أرجاء العـالم وفاتحا الطريق لشباب آخر لا زال يتحسس خطاه. ولكن النظر في العمق إلى واقع ذلك الشباب يرغمنا على القول أننا سنظلّ في حالة الوعد لا نتخطاها إلا في مواضع نادرة. هذا ما يقع الصباح وهذا ما سيحدث غدا وبعد غد والتاريخ الاقتصادي للعشرات من السنين المــنصرمة حجّة دامغة على الأمر.
ولكن ليس هذا فقط ما يمكن أن يشغل البال، ففي نفس الوقت أقدم المرصد التونسي للإقتصاد للتو على التحذير من ظاهرة خطيرة يظهر أنها مرت أمام الجميع دون أن يلاحظ أحد، وتهمّ الظاهرة انخفاض عدد خريجي الجامعات الخاصة والحكومية بنسبة 25% بين سنتي 2010 و 2016 وقد اصدر المرصد بالمناسبة جملة من التساؤلات تشير إلى وضعية شديدة التعقيد: هل يعتبر هذا النزيف ثمرة «سياسة التوظيف» التي تهدف إلى تكييف التعليم العالي مع سوق الشغل ومع اقتصاد ذو ثمن مضافة شبه منعدمة تعتبر من أدنى درجات القيم المضافة في أرجاء العـالم؟ أم هو نتيجة هجرة مكثفة للطلاب إلى الخارج؟ أم أنه نتيجة نبذ للدراسة من طرف الطلاب لاعتبارها طريقا بدون آفاق؟
وكل هذا يجدي بأنك إذا أردت أن يمتدّ فرع شجرتك إلى السماء فلا بدّ لك أن تشتغل على تثبيت أصلها في عمق الأرض، فترعاها وتسقيها وتحفظها ولا تدّخر جهدا في الأسمدة... وإلا فستسلك أكثر الطرق وعورة: طريق التناقض والقول الذي لا يلازمه فعل والأحلام الوردية وملاحقة السراب.

مريم عمر

المصدر : الشروق تونس