الأزمة على ضوء الأرقام الرسمية.. تواصل حالة «الاستقرار السلبي» تحت غلاف خطير من التفاؤل
الأزمة على ضوء الأرقام الرسمية.. تواصل حالة «الاستقرار السلبي» تحت غلاف خطير من التفاؤل

برغم المنحى التفاؤلي الذي اتخذته معظم المؤشرات الرسمية في الجرد الذي قدمته مـجموعة الظرف الاقتصادي صلب وزارة المالية، تبرز التقاطعات أن تونس ما زالت بعيدة عن الخروج من حالة الاستقرار السلبي وعاجزة عن تحقيق نسق يمكّن من دفع التنمية وتقليص نسبة البطالة.
ربما كان للكثيرين رأي في صراحة المعطيات الرسمية ولكن لا مناص من الإقرار أن هناك حرفية وتقاليد تدعمها، وعلاوة على ذلك فإن القراءة المتأنية لتلك الأرقام لا تملك إلا أن تبوح بالكثير. فهل يمكن مثلا أن يغفل الجرد الذي قامت به مـجموعة الظرف الاقتصادي الإشارة إلى آخر تقرير للبنك العالمي حول ممارسة أنشطة الأعمال ؟ هذا التقرير الذي ركــز هبوط تونس في نسخته لسنة 2018، حيث خسرنا ما لا يقل عن 11 مركزا.
وفي حقيقة الأمر فإننا يمكن أن نعتبر هذا المؤشر العالمي كنوع من الإشارة إلى عمق ما نعانيه الصباح من تدن في مردودية الملف الاقتصادي. لا ننسى أن «الشيطان في التفاصيل» وأن الإنتباه إلى قائمة العناصر التي تكوّن المؤشر تفيدنا مباشرة بمدى نجاعة الإدارة من عدمها حينما تتعامل مع المستثمرين الأجانب , فالجليّ أن هؤلاء عندما يريدون العمل في تونس يصبحون عرضة لمشاكل كثيرة في استخراج تراخيص البناء والربط بشبكة الكهرباء وتسجيل الملكية والحصول على القروض وحماية المستثمرين ودفع الضرائب... لا يعني هذا إلا أننا لا نرحب فعلا بالمستثمرين !
العجز على دفع التنمية وتقليص البطالة
هذه المفارقة بين القول أن تونس تجتهد لاحضار الإستثمار الخارجي والفعل الذي يجدي بالعكس هي الخيط الذي يربط بين كل ما نقول وما نفعل في الملف الاقتصادي برمته ولأجل هذه المفارقة بعينها ترى الكثير من المسؤولين يؤكدون أن لنا نسبة نمو تُعدّ معقولة إذا قسناها بحجم صعوباتنا الكثيرة. ولكن التوصيف مجانب للدقة حيث لا مفر من الإقرار بأن هذه النسبة التي تتأرجح على حدود 2 % عاجزة تماما على دفع التنمية وتقليص البطالة. ويعلم كل من يفهم دواليب الاقتصاد أن النسبة المذكورة ليست سوى تعبير عملي عن حالة ما يسمى بالإستقرار السلبي كذلك أطنبت في توصيفه الكثير من المؤسسات الدولية المختصة.
لتأكيد المعنى، لاحظت مـجموعة الظرف الاقتصادي - وهي أحد هياكل وزارة المالية - أن هناك تراجعا للمؤشر الشهري للإنتاج الصناعي خــلال الثمانية أشهر الأولى لهذه السنة. وهناك أيضا تقهقر للإستثمارات ذات المساهمات الأجنبية المصرح بها في القطاع الصناعي بأكثر من 25 %. أجل، أكثر من الرّبع. زد على ذلك أن نسبة التضخم سجلت أعلى معدلاتها في شهر تُشَرِّيَــنَّ الْأَوَّلُ في ملامسة تكاد تلاصق 6 % في نسق تصاعدي خطير تميزت به سنة 2017. والأخطر يظهر عندما نغوص في التفاصيل حيث اشتعل مؤشر التضخم في أعتى مظاهره في ما يخص منتجات التغذية والمشروبات والسكن والطاقة المنزلية والنقل والملابس والأحذية وكلها كذلك نرى تعبير عن المعاناة التي يلاقيها المواطن من ناحية مقدرته الشرائية. بعيدا في سلّم الخطورة نرى أن الواردات شهدت ارتفاعا صريحا في جل القطاعات ومنها الطاقة والغذاء والمواد الأولية ونصف المصنعة والتجهيز... وكلها تدل على عجز هيكلي في منظومة الإنتاج وتحيل على التهديد لما خلُص منها.
«الشيطان في التفاصيل»
أضف إلى ذلك تفاقم العجز التجاري وتدني ثمن الدينار التونسي وتلكؤ المداخيل الجبائية وتضاعف نفقات التصرف وتذبذب نفقات التنمية والتهاب مساعدة الديْن العمومي وضعف حجم بورصة الأوراق المالية وستجد نفسك مباشرة أمام حقيقة شديدة الإزعاج .. هذه الحقيقة هي تواصل حالة الاستقرار السلبي تحت غطاء خطير من التفاؤل، حيث يقولون لنا أن هناك تطورا في الصناعات الميكانيكية والكهربائية ومنتجات المطاط واللدائن وتكرير النفط والنسيج والملابس والجلد ولكن كل هذا بنسب لا تتجاوز 4 % تصب أيضا في مؤشرات الاستقرار السلبي. ويقولون لنا أن نوايا الإستثمار قد زادت ولكن نجد أنها وإن كانت فعلا كذلك بالنسبة للجهات الشرقية فقد تراجعت صراحة في الجهات الغربية. يقولون لنا أن البطالة في استقرار وكأنهم لا يرون أن الحديث لا يدور عن كيانات مجرّدة ولكن عن 628 ألفا من التونسيين المعطلين عن العمل بينهم أكثر من 270 ألفا من حملة الشهادات العليا حيث تفوق نسبة البطالة 30 % وحيث أن هؤلاء هم في الأساس أعز ما لدينا وعدّتنا لاختراق الألفية الثالثة.

مريم عمر

برغم المنحى التفاؤلي الذي اتخذته معظم المؤشرات الرسمية في الجرد الذي قدمته مـجموعة الظرف الاقتصادي صلب وزارة المالية، تبرز التقاطعات أن تونس ما زالت بعيدة عن الخروج من حالة الاستقرار السلبي وعاجزة عن تحقيق نسق يمكّن من دفع التنمية وتقليص نسبة البطالة.
ربما كان للكثيرين رأي في صراحة المعطيات الرسمية ولكن لا مناص من الإقرار أن هناك حرفية وتقاليد تدعمها، وعلاوة على ذلك فإن القراءة المتأنية لتلك الأرقام لا تملك إلا أن تبوح بالكثير. فهل يمكن مثلا أن يغفل الجرد الذي قامت به مـجموعة الظرف الاقتصادي الإشارة إلى آخر تقرير للبنك العالمي حول ممارسة أنشطة الأعمال ؟ هذا التقرير الذي ركــز هبوط تونس في نسخته لسنة 2018، حيث خسرنا ما لا يقل عن 11 مركزا.
وفي حقيقة الأمر فإننا يمكن أن نعتبر هذا المؤشر العالمي كنوع من الإشارة إلى عمق ما نعانيه الصباح من تدن في مردودية الملف الاقتصادي. لا ننسى أن «الشيطان في التفاصيل» وأن الإنتباه إلى قائمة العناصر التي تكوّن المؤشر تفيدنا مباشرة بمدى نجاعة الإدارة من عدمها حينما تتعامل مع المستثمرين الأجانب , فالجليّ أن هؤلاء عندما يريدون العمل في تونس يصبحون عرضة لمشاكل كثيرة في استخراج تراخيص البناء والربط بشبكة الكهرباء وتسجيل الملكية والحصول على القروض وحماية المستثمرين ودفع الضرائب... لا يعني هذا إلا أننا لا نرحب فعلا بالمستثمرين !
العجز على دفع التنمية وتقليص البطالة
هذه المفارقة بين القول أن تونس تجتهد لاحضار الإستثمار الخارجي والفعل الذي يجدي بالعكس هي الخيط الذي يربط بين كل ما نقول وما نفعل في الملف الاقتصادي برمته ولأجل هذه المفارقة بعينها ترى الكثير من المسؤولين يؤكدون أن لنا نسبة نمو تُعدّ معقولة إذا قسناها بحجم صعوباتنا الكثيرة. ولكن التوصيف مجانب للدقة حيث لا مفر من الإقرار بأن هذه النسبة التي تتأرجح على حدود 2 % عاجزة تماما على دفع التنمية وتقليص البطالة. ويعلم كل من يفهم دواليب الاقتصاد أن النسبة المذكورة ليست سوى تعبير عملي عن حالة ما يسمى بالإستقرار السلبي كذلك أطنبت في توصيفه الكثير من المؤسسات الدولية المختصة.
لتأكيد المعنى، لاحظت مـجموعة الظرف الاقتصادي - وهي أحد هياكل وزارة المالية - أن هناك تراجعا للمؤشر الشهري للإنتاج الصناعي خــلال الثمانية أشهر الأولى لهذه السنة. وهناك أيضا تقهقر للإستثمارات ذات المساهمات الأجنبية المصرح بها في القطاع الصناعي بأكثر من 25 %. أجل، أكثر من الرّبع. زد على ذلك أن نسبة التضخم سجلت أعلى معدلاتها في شهر تُشَرِّيَــنَّ الْأَوَّلُ في ملامسة تكاد تلاصق 6 % في نسق تصاعدي خطير تميزت به سنة 2017. والأخطر يظهر عندما نغوص في التفاصيل حيث اشتعل مؤشر التضخم في أعتى مظاهره في ما يخص منتجات التغذية والمشروبات والسكن والطاقة المنزلية والنقل والملابس والأحذية وكلها كذلك نرى تعبير عن المعاناة التي يلاقيها المواطن من ناحية مقدرته الشرائية. بعيدا في سلّم الخطورة نرى أن الواردات شهدت ارتفاعا صريحا في جل القطاعات ومنها الطاقة والغذاء والمواد الأولية ونصف المصنعة والتجهيز... وكلها تدل على عجز هيكلي في منظومة الإنتاج وتحيل على التهديد لما خلُص منها.
«الشيطان في التفاصيل»
أضف إلى ذلك تفاقم العجز التجاري وتدني ثمن الدينار التونسي وتلكؤ المداخيل الجبائية وتضاعف نفقات التصرف وتذبذب نفقات التنمية والتهاب مساعدة الديْن العمومي وضعف حجم بورصة الأوراق المالية وستجد نفسك مباشرة أمام حقيقة شديدة الإزعاج .. هذه الحقيقة هي تواصل حالة الاستقرار السلبي تحت غطاء خطير من التفاؤل، حيث يقولون لنا أن هناك تطورا في الصناعات الميكانيكية والكهربائية ومنتجات المطاط واللدائن وتكرير النفط والنسيج والملابس والجلد ولكن كل هذا بنسب لا تتجاوز 4 % تصب أيضا في مؤشرات الاستقرار السلبي. ويقولون لنا أن نوايا الإستثمار قد زادت ولكن نجد أنها وإن كانت فعلا كذلك بالنسبة للجهات الشرقية فقد تراجعت صراحة في الجهات الغربية. يقولون لنا أن البطالة في استقرار وكأنهم لا يرون أن الحديث لا يدور عن كيانات مجرّدة ولكن عن 628 ألفا من التونسيين المعطلين عن العمل بينهم أكثر من 270 ألفا من حملة الشهادات العليا حيث تفوق نسبة البطالة 30 % وحيث أن هؤلاء هم في الأساس أعز ما لدينا وعدّتنا لاختراق الألفية الثالثة.

مريم عمر

المصدر : الشروق تونس