قمة الكوريتين: هل تقود المحادثات التاريخية إلى سلام دائم؟
قمة الكوريتين: هل تقود المحادثات التاريخية إلى سلام دائم؟

جون نيلسون رايت كبير الباحثين في المعهد الملكي تشاثام هاوس للشؤون الدولية

يمثل لقاء الرئيس الكوري الجنوبي مون جاي إن مع نظيره الكوري الشمالي، كيم جونغ أون، انطلاقة تاريخية، على الأقل من حيث شكل المصالحة الثنائية والأجواء العاطفية التي أحاطت بهما في كوريا الجنوبية.

لكن لا يزال ثمة سؤال مطروح وهو: هل يمنح الاتفاق الذي أظــهر عنه في الاجتماع (إعلان بانمونغيوم الجديد للسلام والازدهار والتوحيد في شبه الجزيرة الكورية) مزيجا مناسبا من التدابير الملموسة لدفع الكوريتين والمجتمع الدولي على اطـار واسع نحو تحقيق سلام دائم؟

إن قرار كيم الجريء بزيارة أرض معادية ولو اسمياً، يعكس ثقة الديكتاتور الشاب بنفسه وفهم ممتاز لما يدور على المـسرح السياسي وتوقيت أُختير ببراعة.

وأظهرت إشارته الذكية للرئيس مون، بأن يخطو مثله ولكن للشمال مثلما فعل تجاه الجنوب، طريقة ملهمة لتأكيد المساواة بين البلدين والزعيمين.

كذلك أنه، من خــلال تجاوز الحدود بين البلدين، يلمع في الأفق هدف التوحيد بين الكوريتين وهو الهدف الذي سعى إليه البلدان.

أما بقية الصباح، فكان مليئا بالمشاهد الودية والأحاديث الجانبية بين الرئيسين في الهواء الطلق التي على ما يظهر أنهما تعمدا إلى إظهارها للعامة لإعطاء صورة ورواية قوية عن طبيعة العلاقات المقبلة بين الكوريتين.

وقد عززت المصافحات و الابتسامات العريضة وعناقهما رسالة مفادها أن الكوريين يحددون مستقبلهم بأنفسهم، في عملية تعويض لذكريات المــنصرم في شبه الجزيرة التي غالباً ما كانت تهيمن عليها مصلحة القوى العظمى الخارجية، سواء كان من الصين أو اليابان أو في الآونة الأخيرة، خــلال الحرب الباردة، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي سابقاً.

كانت التصريحات المشتركة التي أدلى بها الزعيمان أمام وسائل الإعلام الدولية لحظة مدروسة أخرى لكي يتحدى بها كيم التصورات المسبقة عنه.

وعلى سبيل المثال، ثقة كيم العالية بنفسه عند إعلانه للصحافة بشكل مريح أنه عازم على تطوير قضية السلام والمصالحة الوطنية، بدَّدت صورة الزعيم المتعجرف والمستبد والمتصلب في قرارته التي كانت في أذهان أرجاء العـالم.

اقرأ أيضاً:

أزمة كوريا الشمالية في سطور

رئيس سي آي إيه اجتمع سرا مع زعيم كوريا الشمالية

كيم جونغ-أون زعيم كوريا الشمالية "يعلن وقف التجارب النووية والصاروخية"

قمة الكوريتين التاريخية "بدأت عصرا جديدا للمصالحة الوطنية والوحدة"

p065hfmp.jpg

جهازك لا يساند تشغيل الفيديو

لحظة تاريخية.. زعيم كوريا الشمالية يتجاوز الحدود نحو الجنوب

وقد يرى المتشككون ذلك بمثابة مكسب دعائي بالنسبة لكيم، ومحاولة لتأمين التطور النووي والصاروخي الذي حققته كوريا الشمالية بالفعل من خــلال الدعوة إلى "نزع السلاح على مراحل" عن طريق التخفيف من توقعات التطور الفوري، مع التأكيد على الحاجة للمفاوضات خطوة بخطوة.

ويعيد الإعلان المشترك إلى الأذهان، صدى الاتفاقات السابقة، بما في ذلك القمم السابقة التي عقدها الزعماء الكوريون في عامي 2000 و 2007، واتفاق المصالحة الثنائية واتفاق عدم الاعتداء في 1991

وقد برزت في اتفاقات سابقة، مهام خطط لإنشاء بعثات تواصل مشتركة، وإجراء حوار عسكري وبناء الثقة والتعاون الاقتصادي، وتوسيع الاتصال بين مواطني البلدين.

ومع ذلك، فإن إعلان الـ27 من أبريل/نَيْسَــانَ أكثر تحديدًا في مقترحاته، حيث تعهد البلدان، على سبيل المثال، "بوقف كل الأعمال العدائية ضد بعضها البعض على كل الأصعدة، ويشمل ذلك براً وبحراً وجوا، وتوفير سلسلة من التواريخ الرئيسية للإنجازات المبكرة من الجانبين لمجموعة من تدابير بناء الثقة الجديدة.

ويشمل ذلك وقف "كل الأعمال العدائية" بالقرب من المنطقة منزوعة السلاح بحلول الأول من أيَّــارُ/مَــايُوُ، وبدء المحادثات العسكرية الثنائية في نفس الوقت، والمشاركة المشتركة بين الكوريتين في بطولة الألعاب الآسيوية لعام 2018، وإعادة لم شمل الأسر بحلول 15 أغسطس/آب. ولعل الأهم من كل ذلك هو زيارة الرئيس مون إلى كوريا الشمالية بحلول الخريف من هذا العام.

ويبدو أن التزام القادة الكوريين بإجراءات مبكرة، وإن كانت تدريجية في اتجاه السلام، يحفز رغبتهم في تعزيز شعورهم بزخم وإلحاح لا يُقاوم.

كذلك دعا الإعلان إلى عقد محادثات حول معاهدة السلام في المستقبل تشمل الكوريتين، إلى جانب واحدة أو كل من الصين والولايات المتحدة

إن منطق إلزام الأطراف الخارجية في جدول زمني محدد، قابل للتطوير تدريجياً، للتقدم في القضايا الرئيسية، يقلل من خطر نشوب صراع في شبه الجزيرة الكورية، الأمر الذي حرصت الكوريتان على تجنبه، وهو الأمر الذي طالما تخوفتا منه في المــنصرم.

إن اللعب من أجل كسب الوقت خيار قابل للتطبيق، علماً أن الرئيس مون في بداية رئاسته التي تدوم خمس سنوات، وهو متناقض بشكل واضح مع الوضع إبان قمتي عامي 2000 و 2007

وبالتالي، يستطيع مون الاعتماد على الاجتماعات المتكررة مع كيم، ويبدو أن الرجلين مهتمان بشكل حقيقي بتعزيز حوارهما وإحراز التطور.

كذلك أن بيانات كيم في القمة لصالح سياسات الهوية حجة قوية أيضاً، نظراً لتركيزه على " أمة واحدة ولغة واحدة ودم واحد "، ورفضه المتكرر لأي صراع مستقبلي بين الكوريتين، وتركت تلك التصريحات اثراً إيجابياً على المجتمع الكوري الجنوبي الذي يتعاطف تقليديا مع الحديث عن الثقة بالنفس، بالرغم من أن القومية ليست بالضرورة القصوى عندهم.

ويستحيل الهروب من أهمية الولايات المتحدة الحاسمة في هذا الخصوص بالرغم من التركيز على الكوريتين اللتين ستحددان مستقبلهما. وستكون قمة ( ترامب- كيم) المتوقعة في أيَّــارُ/مَــايُوُ أو أوائل تَمُّــوزُ/يُــولِيُوُ، حاسمة في اختبار مدى إخلاص التزام الشمال بالتسوية السلمية.

ومن المرجح أن يكون التزام بيونغيانغ المعلن "بنزع السلاح النووي" مختلفًا تمامًا عن مطلب واشنطن في ﻧﺰع شامل للسلاح النووي وقابل للتحقق وغير قابل للرجوع عنه.

ولن تكون قمة (ترامب - كيم) مجرد وسيلة لقياس الفجوة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية بينما يتعلق بهذه القضية، بل ستكون فـــــرصة مهمة لقياس مدى سعي الولايات المتحدة لتطوير استراتيجيتها الخاصة التي تشتغل على تقليص الخلافات مع كوريا الشمالية.

لقد سمح الرئيس مون بذكاء مراراً لترامب بالاختراق في العلاقات بين الكوريتين، ربما معترفاً بأن تعزيز غرور الرئيس الأمريكي هو أهم طريقة لتقليل مخاطر الحرب وإبقاء ترامب في حوار مع الشمال.

ومهما كانت النتائج الجوهرية بعيدة المدى لقمة "بانمونغيوم" ، فقد أظهر الحدث على نحو لا يُستهان بمدى الفطنة السياسية والدبلوماسية والرؤية الاستراتيجية لكلا الزعيمين الكوريين.

كذلك أن أحداث يوم 27 من أبريل/نَيْسَــانَ، هي تذكير بأن الشخصية والقيادة هي مكونات أساسية في إحداث التغيير التاريخي، مما يسمح أحيانًا للقوى الصغيرة نسبيًا بتحسين مصالحها على الرغم من المصالح المتنافسة للدول الأكبر والأكثر نفوذاً.

دكتور :::: جون نيلسون رايت

كبير الباحثين في المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاثام هاوس) لبرنامج شمال شرق آسيا والمحيط الهادئ

كبير المحاضرين في السياسة اليابانية والعلاقات الدولية في جامعة كامبردج

المصدر : بي بي سي BBC Arabic